في كثير من الأحيان، وفي مناسبات عديدة، تدفع الصحوة والغيرة على الفن والطرب العربيين بعض الأفراد والهيئات إلى رفع شعارات تدعو إلى التشبُّث بشكل من أشكال الأصالة. وفي غمرة الحماس، تعلو الأصوات منادية بالعودة إلى بقاع التراث الخصبة، والكفِّ عن اللُّهاث وراء سراب المعاصرة الخادعة.
لكن السؤال الذي لم يُطرح بعد هو: من هم أولئك الذين يؤرقهم، حقا، هاجس البحث عن أصالة مفقودة، وتسكنهم، في الآن نفسه، مخاوف فقدان أصالة متحققة؟.
يكتسي طرح هذا السؤال طابع الأهمية حينما نستحضر واقع الثقافة العربية الحديثة في علاقتها بمفاهيم «الخصوصية»، «التميُّز»،«الأنا والآخر» و«التغريب»..من جهة، وحينما نَستحضرُ تراث نَفَرٍ من الرواد الذين ظلوا طيلة حياتهم أوفياء لتراثهم وعروبتهم، وسَخَّروا كفاءاتهم الإبداعية لخدمة الثقافة العربية، حتى تظل رايتها خفَّاقة فوق صَرْحِ الأمم، ومع ذلك لم تحظ شخصياتهم وتراثهم الفني بالعناية والاهتمام الذي يليق بهما من جهة ثانية.
وفي هذا الإطار، قد يجد المتتبِّع لمسيرة الفن العربي صعوبة في إيجاد المسوِّغات التي دفعت «النقد الفني العربي» إلى إدارة ظهره لكثير من أولئك الرواد الأصيلين، وحرمانهم من حقِّهم في أن يكونوا موضوع دراسات وأبحاث متأنية، حتى تُستخلص العِبَرُ من سِيرهم، وتُقتفى خُطاهم، وتُعرضَ أمام أعيُنِ الأجيال الكنوز والتُّحَفُ الأصيلة النادرة التي ينطوي عليها تراثهم الفني، وكيف لا، وهم الذين ملأُوا الدنيا وشغلوا الناس لاسيما طيلة القرن العشرين!!؟.
في مقدمة هؤلاء جميعا يأتي اسم أحد أعمدة الغناء والتلحين العربيين هو الموسيقار «رياض السنباطي.«
من دون مغالاة أو تردُّد، يمكن القول إنه أحد أولئك العظماء القلائل في التاريخ الموسيقي الذين تحقق لديهم انسجام لافت بين الفهم والممارسة بخصوص مفهوم «الأصالة». وهنا يجب التساؤل: ما هي المقوِّمات التي خلقت ذلك الانسجام وجعلت من هذا الموسيقار العظيم أحد أهم الآباء الروحيين للأصالة في مضمار الفن العربي؟.
طبعا إن أي جواب عن تساؤل من هذا القبيل لا يمكن أن يقربنا من حقيقة « الأصالة السنباطية » إلا بموضعتها في المكانة المناسبة التي تحتلها ضمن خريطة الإبداع في العصر الحديث، وهي الخريطة التي أضحت حدود الهويات داخلها غير واضحة المعالم نتيجة التداخل بين جغرافيا الشرق والغرب، الذي أحدثته وسائل الاتصال الكونية، وما ترتب عن ذلك من نتائج، في طليعتها ذوبان التراثات العالمية تحت شمس العولمة، في بوتقة«االنمطية».مما أدى إلى تلاشي الخصوصيات الثقافية. الأمر الذي جعل من «الأصالة» تحديا مضاعفا للفنان والمبدع في العصر الحديث، حيث يصارع من أجل الحفاظ على هويته الإبداعية وسط موجات التجانس والذوبان الثقافي.
أجل كل شيء في عصرنا أضحى سائرا نحو النمطية. فكما هو الأمر في ميدان الصناعة الميكانيكية، تعمل مصانع الايديولوجيا على إنتاج جملة من القوالب الايديولوجية ذات الاستخدام الشائع والعام. وهدف صناعتها الأساسي هو تدمير نواة الإبداع الكامنة في صلب هذه الأمة أو تلك. وهنا الأمة العربية تحديدا، وجعلها في نهاية المطاف عربة تابعة لقاطرة الإبداع الغربية.
و في المجال الفني على وجه الخصوص تسعى «العولمة الفنية» إلى طَمْسِ معالم الهوية الفنية الشرقية، وجعل فضاء الشرق سوقا حُرَّةً لترويج البضاعة الفنية الغربية، في حين تتحول بعض المجتمعات الشرقية إلى ببغاوات، دورها الأساسي هو ترديد صدى أنغام الغرب وإيقاعاته، من دون تذوق حقيقي لِطُعوم أشكالها، ومن دون فهم عميق لمضامينها وأَبْعَادِها.
ولعل « السنباطي »، كغيره من العباقرة في كل زمان ومكان، أَدرَكَ بسلامة فِطرته ورَهافَةِ حِسِّه قواعد اللُّعبة التي تَحكُمُ العلاقات بين الثقافات والشعوب. ولذلك، كلما اشتدَّتْ رياحُ الحداثة والتَّغْريب، في ساحة الثقافة العربية، ازداد تَشبُّثا بشجرة الأصالة وتعلُّقا بأغصانها.
وحَسبُنا في هذا المقام الضيق إماطة اللثام عن بعض المرتكزات التي ترتكز عليها أصالة رياض السنباطي الفنية. وأهماها:
أولا- الرهبنة في محراب الطرب العربي
إن مفهوم الأصالة الحقيقي لا يُحيل على البُعد الزمني الماضوي بالتأكيد: ، فليس تقليد تراث الأسلاف تقليدا أعمى ومُشوَّها تحت مظلة العودة إلى الماضي هو ما يضفي الطابع الأصيل على فن المقلدين العائدين إلى رحاب السلفية الفنية، يل على العكس، إن ما يحدد أصالة الفنان، وكذا نتاجه الفني، هو صدوره عن قيم الإخلاص في العمل، والإيمان بأن «الإبداع الأصيل» ليس مطروحا في شارع الفن- كما هي الحال مع المعاني من منظور الجاحظ- بحيث لا يلتقطه من هبَّ ودبَّ، بل هو مضنون به على غسر أهله، محفوظ بين يدي ربَّة الفنِّ دائما وأبدا، ولا يحظى بنيله سوى الذين يقدمون لها قرابين عَرَقِهِمْ وجُهدهم، ويكون دأبُهم هو المعاناة، والمَبِيتُ بأبواب الألحان- كما يَبيتُ عبيدُ الشعر بأبواب القوافي- يؤلفونها بِصَبر وتُؤْدَةٍ.
ولقد ظلَّ هذا الرجل قابعا كالراهب في محراب الطرب العرب، وعلى امتداد عقود طويلة من القرن العشرين، يُؤًلِّفُ بعِصامية تامة «أسطورة الألحان السنباطية» بتواضع العلماء بأسرار الفن – وهو الملِمُّ بخبايا المقامات الموسيقية القديمة والحديثة- بعيدا عن أضواء الكاميرات الكاشفة، وضوضاء التصريحات المنتفخة. بل بات- وهذا ما يَعزُبُ عن أذهان المسرفين في التَّلذُّذِ بأطباق ألحانِه الشَّهيَّة- يُشيِّدُ مجد الأغنية العربية الأصيلة منقطعا عن دنيا الملذات إلى عبادة الفن في محراب الطرب العربي.
كان ذلك المحراب هو «استوديو30»، وبالذات في مبنى الإذاعة والتلفزة:« ففي استوديو 30 ، مبنى الإذاعة والتلفزة(..) همس لنفسه بأسى قائلا: هذا المكان عملنا فيه أنا وأم كلثوم. كنا نعمل من الساعة العاشرة صباحا حتى الخامسة ثم نأكل سندويتشات جُبنة ونكمل شغل. الله يرجمك يا أم كلثوم»(1).
ثانيا- الالتزام بالصدق في الأداء الفني:
ربما عُدَّ الصِّدق في الأداء الفني نَواة أية أصالة مفترضة: فمن مظاهر الصدق، وضع الفنان نفسه في المقام المناسب لموهبته وميولاته، وعَدمُ الترامي على مقامات فنية حَرِيَّةٍ بذوي الاختصاصات الذين يشعرون أنهم لم يخلقوا إلا لها، كما أنها بدورها لا تصلح إلا لهم. قد تتضح هذه الحقيقة حينما يتساءل المرء عن الأسباب التي جعلت « السنباطي » يتحاشى عن العَدْوِ وراء مغريات الطرب، إذ أنه لم يُعْنَ بنفسه كمطرب في حين آثر الاشتغال في الظل، أي في عالم التلحين. فلنستمع إلى هذا التسويغ الصادق الذي ينفي عن صاحبه كل الشبهات المرتبطة بالتهافت على ميادين الإثراء والشهرة الرخيصة، التي يتهافت عليها غيره ولو على حساب الفن الأصيل: «إنني لا أريد بما أقدمه –بصوتي- أحيانا من ألحان أن أكون مطربا. فبداخلي أحاسيس كامنة في صدري فأشعر أحيانا أنني أريد أداءها للناس بنفسي صادقة ومعبرة كما يعتمل في نفسي..كما أن المطرب له مواصفات غير موجودة عندي..وإن كنت أعطي نفسي درجة جيدة في الغناء. وللحقيقة أيضا فإنني أخشى مواجهة الجمهور ولهذا أتوارى وراء الأغنية بتلحينها فقط»(2).
ثالثا- الصدور عن روح التراث
ومن تجلياته:
أ) النهل من ينابيع التراث العربي الديني
ليس من قبيل الصدف أن تكون عودة السنباطي إلى التراث العربي المتشَبِّعِ بالقيم الإسلامية، والمطبوعِ بالعاطفة الدينية، مقرونة ببداياته الأولى في مشوار الفن، لاسما التلحين، الذي كان محوره الرئيسي: فإذا كان الدين هو صلب ما يمكن تسميته ب «الروح الشرقية» فإن توجه موسيقارنا إلى واحة القصائد الشعرية الإسلامية، والتنقيب في ظلالها عن روائع ما كُتِب في ميدان الأدب الإسلامي، قد جعل ألحانه تتشرب بتلك الروح وتصطبغ بصبغتها، بحيث إن ألحانه المستمدة من قصائد : «حديث الروح» ل »محمد إقبال » ، ««الثلاثية المقدسة»» ل »صالح جودت »، «نهج البردة»، «إلى عرفات الله »، «سلوا قلبي »ل » أحمد شوقي » «القلب يعشق كل جميل» ل »بيرم التونسي » جاءت مزيجا من الحنين الذي يشد النفس إلى جذور الحضارة العربية الشرقية، ومن التَّسامي الذي يرفع رموزَ حضارة الإسلام إلى أسمى مراتب القدسية. بل ربما كانت ألحانه في هذا المجال أشد تأثيرا وأكثر نفاذا في النفوس من خُطَبِ الفقهاء ووَعْظِ الحكماء!!.
ب) الاستفادة من كنوز التراث الصوفي
لم يكن اختياره ل«رباعيات الخيام» ل »عمر الخيام » موضوعا للتلحين صدفة. بل كان اختيارا واعيا متناغما مع طبيعة روحه الشرقة المفعمة بالإيمان والعشق الإلهي، والوجد الصوفي الذي يجنح بالروح إلى سماوات الصفاء، الحقيقة، والخلود.
ج) الاغتراف من ينابيع التراث الشعري الأصيل
إن أي تساؤل حول الأسباب التي جعلت « السنباطي » يُيَمِّمُ وجهه شَطْرَ القصيدة الشعرية العمودية عوض الانجذاب نحو القصيدة الحديثة ذات الأشْطُر،ِ خاصة في وقت عرفت فيه القصيدة الشعرية الحُرَّةُ نموا وانتشارا واسعين، سوف لن يكتسبَ مشروعيته إلا ضمن الإطار الزمني والفني الذي يؤطر «الظاهرة السنباطية» ككل.
ذلك الإطار هو المرحلة الممتدة ما بين العقد الثاني والعقد السابع من القرن العشرين على وجه التقريب. وهي المرحلة الفنية التي شهدت ميلاد جيل من الفنانين، تعاهد أفراده من أبناء العروبة على الإخلاص ل «ميثاق الترابط التاريخي» القائم بين فنون الشعر والموسيقى، والألحان، من ناحية، وتعاقدوا على احترام الفن والامتثال لقواعده من ناحية ثانية. ذلك ما صرح به »السنباطي » نفسه حين قال:«نحن أبناء جيل يحترم الشعر ويعتبره الصديق الأول- التوأم الثاني للموسيقى. فكم كان رائعا عندما كان يغني محمد عبد الوهاب شعر أحمد شوقي«يا جارة الوادي» و«علموه كيف يجفو», وعندما تعاونتُ مع أم كلثوم كنت أشعرُ بأنني في حاجة لعمل قصائد موسيقية عظيمة. فالأنغام بأعماقي تَفُورُ وتَجُولُ تبحث لها عن مُتنفَّس ضخم. وكان هذا في الشعر، فاخترتُ من ديوان أحمد شوقي «سلوا قلبي وأعجبتْ أم كلثوم(..) فهذا هو الشعر الموسيقي. أي هذا هو الفن»»(3).
رابعا- عدم الاستسلام لموجة الحداثة الموسيقية الغربية:
إذا كان عمالقة الفن العربي قد حاولوا الاستفادة مما أنتجته المخيلة والآلة الغربيتان من ألحان وأنغام مثلما كان الأمر بالنسبة ل « محد عبد الوهاب » و »محمد الموجي » و »بليغ حمدي »، فإن ل »السنباطي » فضل الانفتاح على التراث بفخر واعتداد، دون الإحساس بأيِّ مُركَّبِ نَقْصٍ، مؤمنا بأن ذلك هو السبيل الوحيد لحماية الوجود القومي ككل من الاندثار والانقراض في دنيا تنازع البقاء الفني- الإبداعي.
ورغم أن هؤلاء الفنانين الكبار قد غامروا بالجَدْفِ في بحار الحداثة، إلا أنهم في جميع الحالات عرفوا، بحنكتهم وذكائهم، كيف يقودون قارِبَ الطرب العربي إلى شاطئ النجاة، بعيدا عن دوامة الاقتباس المشوَّه والقرصنة الفنية المفضوحة.
بيد أن موجة مُلَوَثَّةً من الألحان والأنغام بدأتْ تكتسح ساحة الغناء العربي، وتجرف كل ما هو متجذِّرٌ وأصيل في تُربة العروبة. ولذلك كان على « السنباطي » وهو الفنان البدوي الإحساس – إن صح التعبير- المتعصب لعروبة الفن وشرقية الطرب، أن يَهُبَّ لِشجْبها قائلا: «وهذه التيارات الغربية يقال عنها فن. وإنني لآسف أن يقال عنها ذلك. فهي تهريج هابط تتنازع هذه التيارات فرق كثيرة وتسمي نفسها بمسميات غربية(..) مثال ذلك فرقة تسمي نفسها الفرقة المصرية(..) وأخرى تسمي نفسها الكاتسي(..) وبهذه الحال كيف تتميز موسيقانا عن موسيقى العالم الآخر ولماذا تحاول جماهير العالم أن تسمع تقليدنا الأعمى طالما أن لديها فنها الأصيل، ولماذا لا يكون فننا صادقا نابعا من وجداننا وأصالتنا ومقاماتنا ليكون عالميا؟»(4).
خامسا- حماية الإرث الفني الجادِّ من عَبث المتطفلين
الذي يؤسف له في الآونة الأخيرة من تاريخ الفن العربي أن الجيل الجديد من الشباب يكاد لا يعرف عن رموز حضارته الفنية إلا الشيء القليل. نعم إنه الجيل الذي بدأ يَتَرَعْرَعُ في مناخ الرَّطانة الفنية. فصارت أعصابه ذات طبيعة غريبة، أبرز خصائصها التوتر والانفعال. ولذلك لا تهدأ ولا تشعر بالسكينة إلا إذا حُقِنَتْ بجرعات الألحان والموسيقى الغربية. غير أن لهذا الجيل عذره لا سيما حينما نعلم بأن الذين يتحملون مسؤولية ما آل إليه مصير الأغنية العربية المعاصرة ومعها ذوق المتلقي، في المقام الأول، هم «الملحنون».
وفي الحقيقة إن نزوع جيل، مخضرم وجديد في آن واحد، من الملحنين نحو موضة «الألحان السريعة» والإيقاعات الموسيقية الخفيفة بحُجَّة الاستجابة لذوق العصر واقتصاد زمن السماع، كان المنطلقَ الرئيسي لسيْل الابتذال والانحطاط الذي طفِقَ يَغمُر مستويات الطرب العربي بعامة، يستوي في ذلك المشرق والمغرب. فلم يَعُدِ المستمع يدري، في ظل فوضى الأنغام وصخَب الألحان، هل هو أمام لَغَط، جَلَبَة، هدير أم لحن..؟؟.
إنها أزمة تصنيف حقا!. ولقد انتبه « السنباطي » إلى خطورة هذا المنحدر الذي هوت فيه قاطرة الطرب العربي, فلم يملك إلا أن يَعُضَّ على شفتيه حسرة وألما. فكان قلقه عظيما وتساؤله في هذا الباب كبيرا: « ماذا يحدث في الفن والمغنى؟ إن هناك تيارات مخيفة تهبُّ على عالم الموسيقى والفن المصري العربي الأصيل(..) فمصر قدمت للفن وللعالم العربي العقاد وطه حسين وشوقي وأم كلثوم وعبد الوهاب(..) فكيف نسمح لصعاليك تلطِّخ هذه الكعبة الفنية التي بناها هؤلاء وغيرهم(..) فكيف نسمح لأمثال السَّح الدَّح امْبُو أن يفعلوا ذلك؟»(5).
طبعا إنه تَخوُّفٌ صادق على أصالة الفن العربي المستهدف بالمسْخ، وإشفاقٌ فِطري على أمجاد الطرب الآيِلَةِ للفقدان. ومن حقِّ رُهبان الفنِّ أن يطهِّروا معبد الطرب من دَنَس الإِسفاف. وكذلك فعل السنباطي رحمه الله.
********************
هوامش
1- أنظر محمد الطويل، « موسيقار من سنباط»، سلسلة كتابك 150، دار المعارف، ص 31
2- المرجع نفسه ، ص 24
3- نفسه، ص 50
4- نفسه ، ص ص 74-75
5- نفسه ، ص 74
المصطفى الشادلي

