بيوت العادة
الثابت أن العادة تحجُب عن البصر والبصيرة كليهما الرؤية الحقيقية إلى الوجود. وهذا الأخير نوعان: وجود خارجي؛ وهو العالم المرئي بكل تضاريسه المادية، من أرض وبحار وسماء.. والذي قد يشمل «البيت» بالمعنى المادي المحسوس، سواء أكان مصنوعا من الطين والخشب أو من الإسمنت والحديد. ووجود داخلي، هو العالَمُ النفسي، المؤلَّف من المشاعر والأفكار والخيالات، والسلوكيات والطباع…والذي يحيل بدوره، بالمعنى المجازي النفسي- الفكري، على مفهوم «البيت النفسي».
فيما يخص علاقتنا بالوجود الخارجي:
يمكن القول إنه منذ طفولتنا الأولى، أي بداية وَعْيِنَا وإحساسنا بالوجود نَبدأ في نَسْجِ علاقات صداقة مع الأشياء: نبدأ أولا بربط علاقات أُلْفَةٍ مع المكان الأول أي البيت. نَتعوَّد على رؤية فضائه، جدرانه وسَقفه، ومحتوياته..
ومنذ أن نَخْطُو خُطوتنا الأولى خارج البيت، ونَفتحَ أعيننا على مشاهد الوجود، ونلتقطَ صورا لتفاصيله، نُصاب بدايةً بالدهشة، وتتنامى في أعماقنا شهوةُ الاستكشاف، ونحاول، بكل حماس، ولاسيما خلال طفولتنا الأولى، أن نستجيب لِحافزِ الفُضول، فنُقبل على التساؤل حول ماهية أشياء الوجود بِطَرائِقَ بريئة وبِشرَهٍ. نسأل عن مصدر النُّور، ونتساءل عن طبيعة الظلام، وعن المساكن المجاورة لنا، وعن حقيقة الحيوانات التي نتعايش معها..
ومع مرور الوقت، نتأقلم مع واقعنا، و تبدأ ذاكرتنا في نَسْجِ علاقة ألفة بأشياء الوجود المحيط بنا، فتغدو مألوفة إلى حَدِّ أنها لا تثير انتباهنا، فلا نلتفت إلى أشيائنا المَرصوصة في رُفوف وخِزانات بُيوتنا إلا حين نرغب في استعمالها، كما أن مساكن الجيران لا تسترعي انتباهنا إلا حينما يطالها هَدم، أو يشُبُّ بها حريق، أو تنطلق منها زغاريدٌ خلال حفل زفاف، أو صرخة بكاء خلال مأتم. وشوارعنا هي شوارعنا التي نستعملها كل يوم، قلما تشد انتباهنا حفرٌ استجدَّتْ فيها، أو تغييرات طارئة عليها..
ولا نلبث أن يأخذنا قطار الزمن في منعرجات الحياة اللانهائية، وخلال هذا المَسار الطويل، المستقيم حينا، والمُتَعَطِّفِ حينًا آخَرَ، قد تَحمِلُنا بعض الأسفار إلى اتجاهات بعيدة. وخلال غيابنا، تبدأ عوامل الطبيعة في العبَثِ بِهَيْكَلِ هذا الوجود المادي الصغير: تَشرع الأمطار والثلوج في نَحْتِ جُدران بيوتنا، وتظهر الشقوق في الجدران والسقوف بينما نحن غافلون عن أمرنا. ويأتي الأهل والأصدقاء لزيارتنا ولتهنئتنا بسلامة العودة من السفر، وما أن تنقضي لحظات المجاملات الأولى، حتى يشرعوا في تقليب أنظارهم في زوايا البيت، وإجالتها بين الجدران والسقف، ثم لا تلبث ملاحظاتهم أن توقظنا من غيبوبة العادة:
«ها قد عَشَّشَ العنكبوت في تلك الزاوية».. «ها قد بدا شَقُّ في الجدار نتيجة فعل الأمطار العاصفية!» .. «ها قد تغيرت ملامح صغاركم، ولم يعودوا كما كانوا خلال آخِرِ زيارة إلى بيتكم!! »..
ثم نبدأ في التَّحديق بدورنا في عالمنا الصغير، وإذا به كما وَصفوه لنا حقا؛ قد اعْتَرَتْهُ متغيرات ونحن سُكارى بخمرة العادة. وإذا بنا نرى ما ألفناه كأننا نراه لأول مرة، فنأخذُ في لَعْنِ الظروف و مشاغل الحياة العامة التي أَلهَتْنَا عن حياتنا الخاصة، وننسى أننا كُنَّا، في حقيقة الأمر، ضحايا العادة ..
ما يحدث لنا مع البيت الصغير يحدث لنا أيضا مع البيت الكبير، أي مع الوجود كله: من مِنَّا رفَع رأسه إلى السماء ليتأمل نجومها و كواكبها؟. ألا نعتبر أن الشمس هي الشمس، والنجوم هي النجوم والهواء والماء والتراب كلها موجودات وعناصر أليفة لنا لا تستحق منا التساؤل حول ماهيتها وحقيقتها؟.
إن تعوُّدَنا على استقبال صُور الوجود الروتينية يَحُولُ بَينَنَا وبَينَ تَدبُّرِ حقائق الوجود ومكوناته وجماله. تَمُرُّ الأعوام تلو الأعوام، وقد تُدرِكُنا الصَّحوة في مرحلة عُمْرِيَّةٍ وتتعاظم دهشتنا حين نكتشف بأننا كنا خارج الزمن والمكان، غارقين في حالة من الشرود الذهني، إلى درجة أننا لم نَرفعْ رؤوسنا قط إلى مطلع الشمس، ولم نَتأمَّلْ وَجْهَ القمر، ولم نلتفتْ إلى الكثير من الظواهر الكونية التي تتوالى أمام أنظارنا.
والحق أن قِلَّة قليلة من الناس هي التي تُوهَبُ القدرةُ على التَّحرُّرِ من سُلطان العادة، فتستحم بماء الصحوة، وتبدأ التأمل العميق في الموجودات من حولها، فيغدو بمقدورها أن تنتج أسئلة نوعية حول وجودها الخاص وحول الوجود عامة. غير أنها لا تعدو أن تكون استثناء بالقياس إلى الكتلة الغافلة!.
إنها نُخبة الأنبياء والمتصوِّفة والعلماء الذين يستطيعون هَتكَ الحُجب وشَقَّها، ورؤية ما لا تَراهُ العامَّة. أما عامة الناس، بطبيعة الحال، فليسوا من هؤلاء ولا من أولئك، ولذلك يعيشون غالبا في غَفلة عن الحقائق.
فيما يخص علاقتنا بالوجود الداخلي:
إن حالنا في بيوتنا المادية الصغيرة والكبيرة الخارجية لا يختلف عن حالنا في بيوتنا المعنوية الداخلية.
إننا نَسكُن بيوتنا النفسية المتعددة، وهذه الأخيرة ليست سوى عاداتنا التي تُغلِّفُ بِنْيَاتِنَا النَّفسية، وتحيط بنا من كل الجهات، وتَحُولُ بيننا وبين رؤية حقائق نفوسنا.
ولهذا، من باب الخطأ أن يقول بعض الناس لبعض: «أنت مَسْكُونٌ بالعادة الفلانية»، ولا يدركون أن الناس في الحقيقة هم الذين يسكنون بيوت عاداتهم النفسية.
أجل، إن العادة عندما تتكرَّر تَتحوَّل إلى فضاء معنوي لصاحبها، بيت سيكولوجي، وفي أسوأ صور التعبير قد تُصبح سِجنا له. فيقال: «هو سجين العادة كذا»- عادة التطيُّر، عادة فَرْك الأصابع عند الحديث، عادة التدخين، أو عادة ارتياد أماكن بعينها كالمقهى أو الحانة..والحق أن هذا صحيح بالفعل!.
إن عاداتنا هي مساكننا الحقيقية. ونحن بالفعل أسرى مسجونون داخلها، لا نرى العالم من حولنا. في حين يطل علينا الآخرون- أي السلطات الإعلامية والدينية والسياسية والثقافية- من نوافذهم بعيون ماكرة، قد يغروننا أحيانا بالبقاء في فضائها المغلق ويشجعوننا على عبادتها، وقد ينبهوننا أحيانا إلى تركها درءًا لأخطار معينة، وفي أحيان أخرى، قد يتنافسون على احتلال بيوتنا النفسية لسلب ما نملكه من إرادة أو اختيار أو قدرة على المقاومة.
هذه السلطات تفعل ببيوتنا النفسية ما تفعله الأمطار وعناصر الزمن والطبيعة ببيوتنا المادية. تحاول أن تحقق أهدافها عبر تغيير طباعنا وتجارب حياتنا، وترسيخ عادات جديدة بدل أخرى قديمة في نفوسنا، بما يخدم مصالحها. ولا تَنفكُّ تُدجِّنُنا ونحن غافلون عن أمرنا ..
وكما يحدث خلال أسفارنا عبر المكان، حيث تغيبُ عن مداركنا الكثير من المتغيرات التي طرأت على بيوتنا المادية، يَحدث أيضا أن نُسافر عبر الزمن، ونعود من رحلاتنا عبر منعرجات الحياة إلى بيوت عادتنا النفسية، لنستأنف حياتنا بين أسوارها غافلين عما أحدثه بها الآخرون من عمليات هَدم وبناء لا تناسب رغباتنا.
وقد يتفق أن نصحو من خَدَرِنا في منتصف طريق العمر، بعد فوات الأوان، لنجدنا أمام طيف الصَّحوة الحزين. يشد أذاننا بقسوة، ويدمدم في اسماعنا: ها قد تغيرت طباعكم ..ها قد تَبنَّيتُم عادات مخالفة لرغباتكم، وجرتْ رياحُ الوقت بما لا تشتهي سُفن اختياراتكم، وها أنتم قد اتخذتم قرارات مَصيريَّةً خاطئة تهُمُّ مستقبل حياتكم.. وتقمَّصتُم شخصيات لا تليق بتمثيل أدوار حياتكم، وصرتم غير ذواتكم!..
عندها، نشرع في تأمل نفوسنا في مرآة الحقيقة، لنجد أن كل شيء قد تغير حقا، إلا طريقة نظرنا إلى نفوسنا.
ما العمل إذن؟. سؤال يردده الكثير منا في سرائرهم. فهل يجب أن نظل عاضِّين على أصابع الندم إلى أجَلٍ غير مسمى؟. وهل يجب أن نُمعِنَ في الاستخذاء، ونرضى ببقاء نفوسنا مغلوبة على أمرها تحت تأثير المؤثرات الخارجية؟. ذلك أسهل الطرق للبقاء أسرى الواقع النفسي القائم إلى ما لا نهاية..
فلنأخذ، منذ الآن، في تمزيق تلك الغِشاوات التي أَوْدَعَتْهَا أصابع سلطات العادة على أبصارنا وبصائرنا، ولنحاولْ، قدر المستطاع، إقامة مسافة موضوعية بيننا وبين ذواتنا من جهة، وبيننا وبين محيطنا من جهة ثانية. ولنباشرْ في تَحطيم أبواب سُجون عاداتنا؛ فذلك خير السبل إلى الانتقال نحو واقع نفسي ممكن. أو أليس ذلك أجْدَى من أن نَظلَّ بين أسوارها مشدوهين، نُحدق في أبوابها الموصدة، ولا نملك إلا أن نُردِّد: لا رادَّ لأقدارنا؟.
فما أحْوَجَنَا إلى الانعتاق من سُجون عاداتنا لكي نرى العالم بِعُيونٍ جديدة!.
********************
- د. المصطفى الشادلي
- موقع (شعلة التنوير)
