معاني الشرف
بعض القيم كالعملات النادرة لا يملكها غير القلة القلية من الناس. وما أسرع ما يطالها التزوير، فتكاد لا ترى على حقيقتها في بعض الأزمنة، ويصعب التعرف عليها بسهولة تماما كما يصعب التعرف على بعض أنواع المسكوكات المعدنية التي طمست حروفها عوامل الزمن والطبيعة، وكما يتعذّر التحقق من العملات الورقية المزورة التي محا رموزها طول التداول.
فما أحوجنا في عصرنا هذا، الذي تراجعت فيه القيم وامتقعت فيه ألوان المفاهيم، إلى إعادة النظر في الكثير من التصورات والمفاهيم والمعتقدات والقيم ووضعها في ميزان التساؤل وإعادة النظر إليها وتقييمها وتحيينها . ويهمنا في هذا المقام مفهوم «الشرف».
لعله أكثر المفاهيم التباسا وتعرضا للزَّيف والانتحال . بل لعله من المفاهيم التي يتوجَّب علينا تذكرها واستحضارها لا سيما في هذه الظروف السياسية والحضارية العصيبة التي تجتازها الأمة العربية. هذا فضلا عن طرق استخدامه التي أضحت جزافية ومستهلكة. أو ألم تغدُ عبارة من قبيل «الدفاع عن شرف الأمة» لازمة متكررة في وسائل الإعلام العربية السمعية والبصرية، مستخدمة بشكل عشوائي واعتباطي أفقَد الشَّرف معناه؟!.
بداية، هل «الشرف» كلمة لغوية أم سلوك وممارسة؟. وما موطنه؟. هل في العقول والأفكار؟. هل في النفوس أم في السلوك؟.
الجدير بالذكر أن من أخطائنا الشائعة اعتقادنا بأن قيمة «الشرف» لا وجود لها إلا في معجم الكائنات الناطقة، أي في عالم الناس، و على الخصوص في جزء ضيق من هذا العالم، مقصور على شريحة أدمية خاصة متميزة. أي أنه مرتبط عادة بذوي الحسب والنسب والجاه والسلطة..
فهل يقتصر إدراكه على الإنسان عموما باعتباره كائنا لغويا وأخلاقيا؟. وفي المقابل ألا تدركه عشيرة الحيوان الفاقدة لتينكما الخاصيتين؟.
لكن الكثير من الناس يملكون نواصي اللغة، ويدَّعون الأخلاق، وتؤثث حيواتهم كل مفردات المعاجم عدا الشرف. والكثير منهم يملكون الجاه والسلطة وأموال قارون لكنهم فقراء على مستوى قيمة الشرف.
والكثير من الناس أيضا، من العامة وساكني الجبال الذين لم يلجوا مؤسسات تعليمية أو معاهد، لا يدركون معنى الشرف على المستوى الفكري، وتعوزهم الكلمات للتعبير عنه، وربما لم يسمعوا بالكلمة قط، لكن الشرف يتبدى في سلوكياتهم ومواقفهم! ..
وفي مقابل الإنسان، هناك كائنات حيوانية غير عاقلة بكماء لا تملك مَلكتي الفكر واللغة لإدراك المعاني السامية والإفصاح عنها لكنها، مع ذلك، تدرك بفطرتها معنى «الشرف» وتمارسه في حياتها!. وإذن هل هو قيمة مشتركة بين جميع المخلوقات؟.
والملاحظ أن بعض الناس يطلبونه – أي الشرف- لذاته، ويسترخصون الغالي والنفيس من أجل اكتسابه. وآخرون لا يستعملونه في الغالب إلا من أجل الابتزاز. فلا يدافعون عنه إلا من أجل ربح قضية معروضة على أنظار محكمة ما. فهل هو قيمة نفعية أم غائية؟.
والملاحظ كذلك أن كثيرا من الناس الأغنياء يتهافتون على ملكية كل شيء ثمين عدا الشرف. ومن ثمة لا وجود له في أجندة اهتماماتهم وفي مجالات حياتهم. وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من الفقراء غيرهم. فهم مشغولون عن الشرف بما هو، في نظرهم، أهم بكثير، أي البحث عن لقمة العيش. فهل قيمة المال أهم من قيمة الشرف ؟.
لكن الجدير بالإشارة هو أن أفرادا من الطبقات الميسورة فضلوا خسران ثرواتهم و باعوا كل ما يملكونه من أجل الشرف. ومثلهم كثير من أبناء الطبقات الفقيرة أبوا الانصياع لإغراء المال، فآثروا الشرف على الغنى المادي .
وهناك أناس كثيرون ضحوا بحياتهم وتقدموا إلى عالم السجون أو إلى صليب الإعدام مرفوعي الرؤوس من أجل الشرف. وآخرون، على العكس، فضلوا طلب الحياة والعيش بدون كرامة على العيش بشرف!.
وشعوب، كشعب غزة، آثرت أن تلعق جراحها وتنام على الجمر، وتتحمل ما يمارسه الغزاة في أوطانها من جرائم التجويع والقتل والتدمير، وتؤثر الدفاع عن شرفها بدل رفع الراية البيضاء أمام أعدائها.
فهل الشرف أحد الضروريات الوجودية- بلغة العلماء- التي لا يمكن الاستغناء عنها، أم أنه من النوافل- بلغة الفقهاء- التي لا أهمية لها، والتي يمكن للأفراد وللجماعات والإنسانية بصفة عامة الاستغناء عنها والحياة بدونها ؟.
ولا شك أن «الشرف» كلمة جارية على ألسنة الناس على اختلاف مستوياتهم اللغوية والمعرفية: تستعملها العامة في خطاباتها اليومية، وفي مناسبات التعارف فيقال: «متشرفين». « شرف لي أن أعرفك». و«زيارتك شرف لنا»..
و يستعملها «الخاصة» في الإدارات، بحيث نجدها مكتوبة على وثيقة إدارية، ضمن عنوان كبير من قبيل: «تصريح بالشرف»، والذي يعني تَعهُّد المرء، والتزامه بتقديم معلومات صادقة عنه وعن وضعه الاجتماعي والمهني..
وفي المحاكم كثير من الوثائق التي تتحدث عن نوع خاص من الجرائم يعرف ب« جرائم الشرف».
فهل « الشرف» «كلمة عادية»، عامة ومحسوسة، موجودة بين دفاف المعاجم العامية والفصيحة، أم أنه «معنى»؟.
وإذا كان كذلك فهل هو معنى مبتذل أو – بلغة الجاحظ- مثله كمثل كل المعاني، المطروحة في الطريق، أي في الشارع الثقافي العام، والتي تعرفها العامة والخاصة على السواء، و يدركها كل الناس بنفس الدلالة؟.
أم أنه «معنى خاص» و قيمة مجردة، مقصور إدراكها على الخاصة كالأنبياء والمتصوفة؟.. وإذن، هل الشرف صنو تلك المعاني اللطيفة المضنون بها على غير أهلها، والتي يتطلب إدراكها، وإبصار تجلياتها في دنيا الناس، الاستحمام بالطهارة والصحو، والاستعانة بمنظار الصفاء، صفاء الروح وصفاء الذهن والقلب؟.
عود على بدء: ما هو الشرف إذن؟.
أذكر أن « المنفلوطي – رحمه الله- كان قد تساءل في إحدى مقالات كتاب «النظرات» حول معنى الشرف، فكان ردُّه: « لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء!»(1).
والحق أننا لا ندَّعي أننا نعرف حق المعرفة معنى الشرف أو أننا نفهم أكثر من غيرنا مفاهيمه، ونملك مفاتيح الدخول إلى عوالمه. ولكننا نزعم أن بمقدورنا أن نتأمله من منظورات مختلفة، وأن نُلبسه تصورات جديدة ممكنة.
أولا- بإمكاننا تصور الشرف باعتباره أحد أهم المعاني السامية والقيم المجردة التي تسكن وعينا، والتي تحيلنا عليها اللغة على وجه التقريب والنسبية لا على وجه الدقة والإطلاق:
ماذا يعني هذا الكلام؟. يعني ثلاث حقائق:
الحقيقة الأولى: مفادها أن البحث عن حقيقة المفردة في المعاجم اللغوية غير مجد أو بالأحرى غير كاف، لأن اللغات العالمية، و هي العدسات التي من خلالها تنظر الثقافات الإنسانية إلى العالم، تنطوي على حمولات قومية ودينية وايديولوجية وحضارية بشكل عام. وبما أنها كذلك، فمن الطبيعي أن تختلف منظوراتها إلى «القيم ».
ومن هذا المنطلق، من الطبيعي أن تكون قيمة «الشرف» من منظور عربي مختلفة عن قيمته من منظور فرنسي أو انجليزي أو صيني ..
الحقيقة الثانية: أنه حتى داخل قومية واحدة ما قد نجد تصورات متنوعة لمعنى «الشرف». والأمر كذلك حتى داخل اللغة الواحدة، حيث لا يمكن أن نجد إجابة شافية عن سؤال: ما الشرف؟. فالمعجم الفصيح الخاص بكل أمة لا يكشف سوى عن جزء قليل من المعنى الشمولي الذي تنطوي عليه هذه المفردة السحرية:
فإذا عدنا إلى المعجم العربي، وليكن لسان العرب، على سبيل المثال، نجد كلمة «شرف» بهذه المعاني الدالة على «الارتفاع والسمو والعلو». وهو ما تبينه مشتقات الكلمة:
«لشَّرف»: كل نشز من الأرض قد أشرف على ما حوله، سواء كان رملا أو جبلا. والشُّرفة : أعلى الشيء. والشرف كالشرفة. وأشرف الشيء: علا وارتفع.
الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر. وأصله من الشرف العلو كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع. أشرفت الشيء: علوته. وأشرفت عليه: اطلعت عليه من فوق»(2).
وقد يتصل الشرف بالنفس فيدل على الترفع: فيكون شرف النفس بمعنى السمو الأخلاقي والعقلي والتعالي على الدنايا. وقد يشير إلى المراتب العليا في هرم الدولة أو في المجال المعرفي.
وفي هذا الإطار تستخدم شهادات البكالوريوس و الليسانس والدكتوراه. للدلالة على السمو المهني والعلمي وتحديد «مراتب الشرف».
ويرمز الشرف أيضا إلى المكانة السامية التي تنال بعد تقديم تضحيات بالنفس- في ساحات المعارك- والتي تكون نصرا أو شهادة..
وفي هذا لإطار يمكن فهم دلالة عبارة «ساحة الشرف»: أي ساحة القتال التي يضحي فيها المرء بأغلى ما يملك، أي روحه، دفاعا عن الوطن، من أجل الحصول على مرتبة عليا في الحياة قد تحمل اسم «منتصر». أو من أجل الحصول على أعلى درجات الشرف بعد الممات، تحمل اسم «شهيد».
الحقيقة الثالثة: إن كلمة «شرف»، ضرب من السِّيمياء الملمح إلى معان لا حصر لها. كلمة تُدرك دلالتها في سياقات متنوعة، غير لغوية وغير نفعية، تتصل بممارسات وسلوكيات ومواقف وأفعال الناس وأحوالهم..
و بلغة مدرسة «الجاحظ » البيانية، فمدلول الشرف من صنف المعاني الخفية التي تحتاج إلى ضروب من البيان من أجل كشف قناع الغموض عنها وتبيانها. لأن البيان، حسب الجاحظ «اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى»(3).
فلفظ الشرف – من هذا المنظور- صنف «من أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ». وهي التي حددها الجاحظ- في خمسة أشياء «أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة»(4).
لكن هل لفظ شرف يسعفنا على كشف القناع عن كل المعاني المحتملة الكامنة خلف مفهومه؟.
لقد اتضح لنا إذن أن الكلمة المعجمية مقصرة في الكشف عن كل دوال «الشرف». وهذا القصور يدفعنا إلى البحث عن معاني الشرف بوسيلة أخرى أنجع من «اللفظ»، ولتكن «النصبة» لأنها: «الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد»(5).
وهذا يعني أنه بإمكاننا الوقوف على معاني الشرف المتنوعة في أحوال الناس والكائنات الحية.. وهذا يقودنا إلى التصور الثاني.
ثانيا- الشرف ليس كلمة بل قيمة معنوية أو حال دالة:
الشرف ليس كلمة. لماذا؟: لأنه إذا اعتبرناه كلمة فلا بد أن تكون مختلفة عن غيرها من «الكلمات» التي تملأ معاجم اللغات. فمن المعلوم – وحسب منظور «ميشيل فوكو» أن اللغة عموما والكلمات على الخصوص تطابق أشياء الوجود. فهي معطيات محسوسة مرئية، تماثل أشياء الوجود:
ففي كتاب الطبيعة تُقيم اللغة إلى جوار النباتات، والحشائش والأحجار إلخ….ومن ثمة يجب أن تدرس اللغة باعتبارها شيئا من أشياء الطبيعة(6).
وفي هذا الإطار نتساءل: هل لكلمة «شرف» وجود محسوس في عالم المرئيات؟، بحيث تُرى مثلما تُرى الأشجار والجبال..؟.
طبعا الواقع يجيبنا بالنفي: إذن هي كلمة روحانية لا تملك من الماديات إلا الأصوات التي تشكلها والحروف التي تتكون منها.
«الشرف» ليس كلمة محفوظة بين دفاف المعاجم اللغوية، وليس كلمة متصلة بشيء محسوس اعتباطيا، لأن «العلاقة التي تربط الدلالة بالمدلول»، وبلغة «فردناند دي سوسور» هي «علاقة اعتباطية»(7).
وإذن من الخير ألا نتعب أنفسنا في البحث عن مُجسَّم للفظة «الشرف» في الوجود المحسوس، ما دام من غير الممكن أن نجد لها معادلا في عالم الشهادة كما نجد معادلات لغيرها من الملفوظات المتناثرة في ساحة الوجود من قبيل الأشجار والأحجار والنبات والبنايات وغيرها من الكائنات.
هو قيمة معنوية، حال دالة على كل المعاني التي يرمز إليها الخير والفضيلة وغيرهما من العبارات التي تدور في فلكيهما. بل لعله من المفاهيم التي تسكن وعينا، والتي تعوزنا العبارات للتعبير عنها بدقة ووضوح تامين. وربما لهذا السبب يمكننا الزعم باستحالة ترجمة لفظة شرف إلى لغات غير عربية دون المجازفة بفقدان الكثير من أسرارها.
إذن ما هو وطنه؟ هل الفكر؟ .هل هو فكرة؟. الجواب في التصور الثالث التالي.
ثالثا- الشرف ليس فكرة:
من الناحية المنطقية، إذا علمنا بأن الفكر هو الوجه الآخر للغة، وإذا تأكد لنا أن الشرف لا يشبه كلمات المعجم اللغوي ولا يشبه أشياء الوجود – بالمعنى المشار إليه آنفا في التصور الثاني- يمكننا القول، بكل اطمئنان، إن الشرف ليس فكرة، وليس معلومة.
وبالنتيجة لا داعي للبحث عن الكلمة في المعاجم ولا في دوائر المعارف والموسوعات بغض النظر عن طبيعة لغاتها، سواء أكانت لغة علماء أو لغة مفكرين وفلاسفة أو لغة رجال الدين.
ولا داعي كذلك للبحث عنها في عالم الأفكار والعقول: فلوكان الشرف فكرة تقسم في عالم الفكر لما امتلكه غير الإنسان المفكر.
ويظل السؤال المطروح بإلحاح هو: ما وطنه؟. الجواب في التصور الرابع التالي
رابعا- الشرف قيمة وطنها النفوس:
إذا تعذر العثور على عبارة «الشرف» في عالمي اللغة والأفكار فهذا يعني ضمنيا أن وطنها الحقيقي هو «عالم النفس». ويعني كذلك أن إدراك قيمة لطيفة من هذا النوع يتطلب آلية أخرى غير العقل:
فنحن لا ندرك الأشياء والظواهر بالعقل ولا بالحواس أي بالعيون والأسماع واللمس فقط، وإنما نعرفها أيضا ب«القلب» و«الحدس». وليس الأنبياء وحدهم من باستطاعتهم إبصار المعاني اللطيفة. وليس المتصوفة وحدهم، في حالة الوجد، من بوسعهم أن يروا ما لا يرى ويسمعوا ما لا يسمعه عامة الناس وإنما أصحاب القلوب الخيرة عموما بإمكانهم ذلك! .
والسؤال المطروح هو: هل كل الناس قادرون على ذلك؟. بعبارة أخرى هل كلهم يمتلك حواس طاهرة وعقولا نيرة وقلوبا خيرة؟..
خامسا- الشرف قيمة روحية غائية:
ليس بالضرورة أن يتجسد الشرف في صورة وظائف، ذات مردودية نافعة ويتحدد مفهوم «الشريف» من خلال ما يقدمه لغيره من خدمات نفعية.
في هذا الإطار نستحضر تصور صاحب «النظرات» نفسه لمفهوم الشرف. والجدير بالملاحظة هو تركيزه على الوظيفة النفعية للكلمة. ومن ثمة ربطه بين مفهوم الشرف وبين التضحيات والخدمات الجلَّى التي يقدمها المرء- الشريف- للآخرين. يقول «المنفلوطي»:
«لا شرف إلا الشرف الحقيقي، وهو الذي يناله الإنسان ببذل حياته أو ماله أو راحته في خدمة المجتمع البشري جميعه، أو خدمة نوع من أنواعه. فالعالم شريف لأنه يجلو صدأ العقل الإنساني ويصقل مرآته، والمجاهد في سبيل الدفاع عن وطنه شريف لأنه يحمي مواطنيه غائلة الأعداء، ويقيهم عادية الفناء، والمحسن الذي يضع الإحسان في موضعه شريف لأنه يأخذ بأيدي الضعفاء، ويحيي أنفس البؤساء، والحاكم العادل شريف لأنه رسول العناية الإلهية إلى المظلومين يمنعهم أن يبغي عليهم الظالمون، وصاحب الأخلاق الكريمة شريف لأنه يؤثر بكرم أخلاقه وجمال صفاته في عشرائه وخلطائه(..) فإن رأيت في نفسك أيها القارئ أنك واحد من هؤلاء فاعلم أنك شريف(8).
إن الذي يطلب الشهادة دفاعا عن وجوده وعرضه لا يقدم على هذه التضحية مستحضرا الآخرين ولا يهمه رأيهم بخصوصه، ولا ينتظر منهم ثناء عليه، لأنه آمن بقضيته وضحى بنفسه في سبيلها، فقط من أجل غاية روحية هي نيل وسام شهادة أو الشرف.
من هذا المنظور، نتصور الشرف – بلغة الفلاسفة- « قيمة غائية وليس قيمة نفعية»، تطلب لذاتها لتلبية حاجيات روحية.
إنه أشبه ما يكون بتلك المثل العليا التي تسكن أقاصي جغرافيا وعينا، وبالمفاهيم القليلة الجميلة التي لها رنين طربي في أسماعنا. وهو صنف من تلك التصورات المثالية اللطيفة التي تطمئن إليها قلوبنا، وتهفو إليها أرواحنا، وتعوزنا العبارات للتعبير عن وقعها في نفوسنا، كالجمال والحب والفضيلة والشهامة والأنفة والتواضع والرحمة..
سادسا- الشرف قيمة نفسية تعرف بأشباهها وبأضدادها:
«الشرف» إذن قيمة نفسية. فبإمكاننا، من جهة أولى، أن ندركها من خلال استحضار أشباهها ونظرائها في عالم القيم النفسية وفي طليعتها «العزة» و و«الرفعة» و«الكرامة»، و«الشهامة»، و«إباء الضيم» و«رفض الظلم، و«نصرة المظلوم»، و«الإقدام والشجاعة»..
و من جهة ثانية، بوسعنا أن نتعرف على ماهية هذه القيمة النفسية أيضا من خلال استحضار أضداد تلك الأشباه، بحيث يغدو معنى الشرف مضادا ل«الذل» و «الوضاعة» و«الاستكانة» و«الخنوع» و«الخذلان» و«الجبن»..
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تحيا هذه القيمة النفسية بمعزل عما يماثلها من تلك القيم النفسية المذكورة في وطن النفس؟. الجواب في التصور السابع التالي.
سابعا- الشرف كل لا يتجزأ:
لا نتصور القيم كجزر متناثرة في عالم النفس لا تربطها جسور، وإنما عناصر مترابطة ومتناغمة ومتفاعلة ضمن بنية عالم النفس. ومن ثمة يستحيل الفصل بينها:
إن الرجل الذي يدَّعي الشرف والذي يهبُّ للدفاع عن شرف ابنته وقد يعمد إلى ذبحها في حالة الغضب لكي يمنحه المجتمع وسام الشرف ليس شريفا بالضرورة، لا لأن قتله لإنسان، بغض النظر عما ارتكبه من خطايا، عمل غير صالح، ويكاد يكون الجرم الوحيد الذي تتفق الديانات السماوية والقوانين الوضعية على استنكاره وتحريمه، وإنما لأن هذا الرجل نفسه الذي يرتكب الفظاعات دفاعا عن تصوره للشرف، في حالة ما، هو الرجل نفسه الذي يستخف بالشرف في حالات ومواقف أخرى: هو «الشريف المزور» الذي لا يهب إلى الدفاع عن الأرض أو حماية وطنه. وهو نفسه الذي يتقدم طابورا خامسا ولا يضيره في شيء أن يكون في طليعة العملاء الخادمين للمحتل!. وهو الذي قد يسمح لنفسه بالتسول في الشوارع. وهو الذي يتزلف إلى ذوي الجاه للحصول على منصب أو مال ..
وهو الذي يملك الجاه ويحظى بمكانة اجتماعية راقية ولا يرفُّ له جفن حينما تشير إليه الأصابع بتهم الخيانة والاحتيال ..
ولا ينتابه إحساس بالذنب حين تُسول له نفسه خيانة الأمانة واختلاس أموال عامة.
وهو ذاك الذي يشرف على المجتمع من برج شهادة عليا علمية، وبحوزته أرقى جائزة، قد تكون جائزة نوبل في الذرة أو الكيمياء- مثلا- ولكنه في الآن نفسه مجرم حرب تطارده لعنة الإنسانية في هيروشيما وناكازاكي ..
وهو ذاك الدكتور الحاصل على أعلى مرتبة شرف في القانون الدولي، لكنه لا يجد غضاضة في تزوير محاضر محكمة العدل الدولية وقلب الحقائق وجعل الحق باطلا والباطل حقا..
وهو ذلك السياسي السامي الذي يُلتمس في جنابه الشرف والحظوة وتقام الحفلات على شرفه، وله مهنة شريفة (محترمة)، و«علا ذروة الشرف» ويلقب ب «الشريف» ويحاط ب «حرس الشرف»..إلخ
ولكن لا ينتابه شعور بالخجل والتقصير أو الندم وهو يرى شعبا يُباد أمام كاميرات العالم. بل يغض الطرف عن مشاهد أطفال يبادون، وشيوخ ونساء يحرقون بدم بارد في ربوع غزة. فلا شك أن هذا الصنف من السياسيين غير شريف. وعليه أن يخجل حينما تذكر كلمة «الشرف».
ثامنا- الشرف أحد معاني الحياة:
بإمكاننا أن نتصوره باعتباره إكسير الحياة الذي تتغذى عليه الأرواح، وبه يتحقق الوجود الحقيقي للإنسان.
الشرف في مقام تلك اللذة التي تهيم بها الأرواح. شهوة روحية وجودية مطلوبة لذاتها، تغري الكائنات الخيرة فتجِدُّ في طلبها لأنها تعتقد أن بها يتحقق وجودها.
هو شراب روحي عذب تطلبه الأرواح لإرواء عطش من نوع خاص. وطعام ذو مذاق متميز تجوع إليه النفوس الخيّْرة، لأنه به يتحقق البقاء.
أجل ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وإنما بالشرف أيضا. فهو المعنى الحقيقي للوجود الإنساني، والذي بدونه لا يتحقق الوجود الفعلي لهذا المخلوق الحامل لصفة «إنسان».
لذلك فالشرف والحياة الكريمة وجهان لعملة واحدة اسمها البقاء. فلا معنى لأحدهما في غياب الآخر. بل الأصح هو أن الحياة بدون الشرف شكل من أشكال الموت!.
وفي هذا الإطار حق قول الشاعر:
لا تحسبنَّ الموت موتُ البِلىَ * * إنما الموتُ سُؤالُ الرِّجالِ
كِلاهُما مَوتٌ ولكــــــــنَّ ذا * * أفظعُ منْ ذاك لِذلِّ السُّؤالِ.
وبما أنه- أي الشرف- كذلك، فهو أعز ما يُطلب. وأن نيله يتطلب تضحيات جليلة. وهي تضحيات تستوجب من عاشقه المغامرة في البحث عن أرفعه وأرقى أنواعه، لأنه درجات:
وهو ما يؤكده قول « المتنبي» :
إذا غَامَرْتَ في شَرفٍ مَرُومٍ * * فلا تَقْنَعْ بِما دُونَ النُّجومِ.
كما أنه من القيم الثمينة التي تستوجب من حاملها بذل دمه وروحه من أجل حمايته من الأذي. وقد صدق «المتنبي» إذ قال:
لا يسلمُ الشَّرفُ الرَّفيعُ منَ الأذَى * * حَتَّى يُراقَ على جَانِبِهِ الدَّمُ.
ومع ذلك قلَّما يلتفت الناس إلى قيمته. ومن ثمة فهو لا يستهوي غير أولئك الذين يدركون أن معنى أن تكون موجودا هو أن تكون شريفا والعكس صحيح أيضا.
تاسعا – الشرف ثروة إنسانية معنوية ليس لها حدود:
بدونه تغدو الكائنات البشرية خشبا مسندة وكائنات جوفاء، فاقدة لمقومات الشخصية الإنسانية الحقة.
إن الذات لإنسانية المحرومة من صفة الشرف ذات بئيسة. فقيرة فقرا مدقعا برغم ما تملكه من أرصدة مالية ضخمة في البُنوكِ، وما تملكه من مساحات شاسعة من العقارات. ولعلها الثروة الوحيدة التي يتساوى في امتلاكها الفقراء والأغنياء. بل قد يمتلكها الفقراء وقد يفتقر إليها الأغنياء.
وقديما قال الشاعر ابن هرمة :
قد يُدركُ الشَّرفَ الفتى ورداؤُهُ * * خَلَقٌ وجِيبُ قَميصِه مَرقُوعُ.
لذلك لا عجب أن تُسترخص، في سبيل امتلاكه، الأرواحُ، وتُقدَّم من أجله أعظم التضحيات، ويُبذل الغالي والنفيس، لأن به يكمل معنى الحياة ويتحصن البقاء.
عاشرا – الشرف قيمة سرمدية لا يطالها الفناء ولا تنتهي صلاحيتها بموت حاملها :
فالشرف بهذا المعنى وسام يناله الإنسان الشريف المقدام في حياته وبعد استشهاده. وأن الجبناء لا شرف لهم سواء في حياتهم أو بعد مماتهم. وعلى حد تعبير المتنبي:
وإذا لم يكنْ منَ الموتِ بُدٌّ * * فمنَ العَجْزِ أنْ تَمُوتَ جَبانا
من مات شجاعا مات شريفا. ومن تقاعس عن الدفاع عن أرضه وعرضه ووطنه ورضي بالعيش قعدا مستسلما لأعدائه عاش ذليلا غير شريف!.
حادي عشر – إن الشرف بكل هذه المعاني المذكورة قد يدرك ويلاحظ في عالم الأحياء وفي عالم غير الأحياء على السواء:
هل تسامي كلمة الشرف وتعاليها على الماديات والمحسوسات وصيرورتها قيمة روحية يُصعِّب علينا مهمة إدراكها بالعين المجردة؟. لجواب بالنفي . ماذا نعني بهذا الكلام؟
بالرغم من أن الشرف قيمة سامية تسكن الأرواح إلا أن له تجليات متعددة الأشكال في عالم الأحياء. فكما أننا بإمكاننا مشاهدة مظاهر الشرف في تصرفات الناس وفي مواقفهم وفي رؤيتهم إلى العالم، بوسعنا أيضا أن نراها مجسدة في حياة وسلوكات ومواقف الكثير من المخلوقات الحية بشكل عام.
********************
هوامش:
1- مصطفى لطفي المنفلوطي، النظرات، مكتبة لبنان – الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان، الجيزة- مصر، الطبعة الأولى 1991 ، ص 102.
2 – أنظر ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، الطبعة الأول 1997، المجلد الثالث، ص ص 423-424.
3 – الجاحظ، البيان والتبيين، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الثالثة 2009، المجلد الأول، ص 60.
4 – الجاحظ، نفسه، ص 61.
5 – الجاحظ، نفسه، ص 64.
6- Michel foucault- les mots et les choses-Gallimard 1966-p50.
7 – فردناند دي سوسير، محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة عبد القادر قنيني، افريقيا الشرق 1987، ص 87.
8 – المنفلوطي، نفسه، ص ص 103- 104.
********************
لأحد 29 يونيو(حزيران)، 2025
د. المصطفى الشادلي
موقع (شعلة التنوير)
