غزة البكر
تُسائلني عن غزًّة البِكْرِ حُرْقَتِي** ورُبَّ سُؤالٍ عنْ بِلادِي مُــــــــؤرِّقُ
فقلتُ لها والحُزنُ يُدْمِي جَوانِحِي** وفي مَدْمَعِي يَخْبُو البَيَانُ ويَغْــرَقُ
أَرَى غزَّةَ العَذْرَاءَ في بَحْرِ أدْمُعِـي ** ومنْ فَوْقِهَا سِرْبُ الأماني مُحلّق
عليها إباءٌ مُسْبَلٌ وبعُنْقِهــــــــــــا **عناقيدُ أَمجَادٍ بِها تَتَأَنَّــــــــــــــــقُ
تُسَابِقُ أطيافَ المَسَاءِ وَحِيـــــدَةً ** إلى مَنْبَعِ النُّورِ البعيدِ فَتَسْبِــــــقُ
هيَ الآنَ في شَطِّ الهَزِيعِ بَهِيَّـــــةٌ ** تُراقبُ فجرًا بعدَ حينٍ سيـُـشـرُقُ
فيا يومَ حَطَّ الغدرُ فيها رِحَالَهُ ** وبَاتَتْ بِأَنْيَابِ الحِصارِ تُخَنَّــــــــــقُ
لقدْ غَادرَ اللهُ رُبَى الشَّرْقِ غاضِبًا** وفي مُقلَتَيْهِ سَوْرَةُ الغَيْظِ تَبـْـرُقُ
فيا لِديارٍ كيفَ هَانَتْ سُقوفُهَــا ** على روضِ أزهارٍ تَخِرُّ وتُطبِـــــقُ
ويا لِلعَصافِيرِ التي بَاتَ سِربُهــا** طليقاً بِواحاتِ السَّلامِ يُشَقْشـِــــقُ
أتَغدُو لِأَطْمَاعِ المَنايَا فَرِيسـَـةٌ ** وتُرْدَى كَمَا يُرْدَى الذُّبَابُ ويُمحـَـقُ؟
أَتَغْدُو بأصقاع المَنَافِي شَرِيـــدَةً؟**يُطارِدُها لَسْعُ الصَّقِيعِ وَتَنْفُـــــــقُ؟
لقد خَابَ أَعْداءٌ بِحِقدٍ تَدَجَّجُـوا** أَلَمْ يَكْفِهِمْ غَدْرٌ بهِ قَدْ تَمَنْطَــــــقُوا؟
فَكَمْ زَهْرَةً دَاسُوا بِأَقْدَامهمْ وكَـْـم** صَبِيًّا بِفُسْفُورٍ أَذَابُوا وَأَحْرَقـُــــوا
ولكنْ تُرَى مَاذا جَنَوْا بَعدَمَا عَثَـوْا ** بِجنَّاتِها؟، ماذا أَفَادُوا وحَقَّقُـوا؟
هنيئًا لِمَنْ صَانتْ بِعزْمٍ ذِمـارَها ** ولمَّا يَطَأْهَا خَيلُ غَازٍ وفَيْلَــــــــــقُ
فباتتْ تُنَحِّي كيْدَهُمْ عَنْ عَرِينِهَا ** وفي طَلْعَةِ الفَجْرِ البعيد تُحــــدِّقُ
فيا حُسنَهَا لمَّا اعْتَلَتْ مِرفَعَ العُـلا **ومنْ حَوْلِهَا رَكبُ الدُّهُورِ يُصَفِّـقُ
تَلُوحُ بِخَدَّيْهَا كُلومٌ لَعَلَّهَــــــــــا ** خَرِيطةُ أَوْطَانٍ غَدَتْ تَتَفَتّـــــــَقُ
وأَدْغَالُ أَحْزَانٍ تَرَامَتْ ظِلالُهَــا** ونَهْرُ دُمُوعٍ قَدْ مضَى يَتَرَقْـــــــرَقُ
أَمِنْ مُقْلَتَيْهَا قَدْ هوَى مُتَرَقْرِقــًا؟ **أَمِنْ «جَبَلِ الشَّيْخِ» المُقَدَّسِ يَدْفُــقُ؟
تَسَاءَلَتِ الأَمْجَادُ في ظلِّ حِصْنِهَا** ومِنْ صَوْتِهَا رِيحُ الشَّماتةِ تُنشَـقُ
أهذا هُوَ الجيشُ الذي مَلأَ الدُّنَـــى** صَدَاهُ؟، أَهَذا القاهرُ المتفَـــوِّقُ؟.
به أزرَتِ العذراءُ فارتَدَّ هاربـــاً ** ومن خَلْفِهِ أَذْيَالُ جُندٍ تُمــــــــزَّقُ
يُمَزِّقُهَا شِبْلٌ بِعَزْمٍ مُسلَّــــــــــحٌ ** إلى العِزِّ يَهفُو، بالشَّهَادَةِ يَنْطِــــقُ
لقد بكَّرتْ أمُّ الأسودِ إلى العُلا **وبينَ يَدَيْهَا رَايَة ُالنَّصْرِ تَخْفِـــــــــــــقُ
إلى القُدْسِ خَفًّتْ والمَسَاءُ مُزَمْجِــرٌ**وأَمْطَارُ جَمْرٍ فَوقَهَا تَتَدفٌّـــــــــقُ
فيَا أيُّها الأحْرَارُ هُبُّوا لِنَصْرِهَــــــا** وَفِي جَنْبِهَا سِيرُوا وَلاَ تَتَفَرَّقُــــــوا
ولاَ تَتْرِكُوهَا فِي عَرَاءٍ وَحِيـدَةً ** يَجورُ عليها غَاصِبٌ ويُبنــــــــــــدِقُ
أزاهيرُها تُسْقَى دِماءً وأدمعــًا** وَأَوْطانُها تَصْلى جَحيمًا وتُسْحَــــــــقُ
بِهَا الرَّبُّ أَوْصَاكُمْ فشدُّوا جِرَاحَهَا**بِعَطْفٍ فَإِنَّ الجُرْحَ بِالعَطْفِ يُرْتَـــــــقُ.
*******************
د. المصطفى الشادلي
موقع(شعلة التنوير)
