رسالة الحال والمآل
سمعت صوتك الهاتف من وراء أقاصي الغربة إذ يسائلني عن أحوالنا في أرض العروبة والإسلام بصوت شجي كشكو الجراح . ولا عجب في ذلك لأن بيننا على مدار اليوم تَخاطبُ أرواحٍ، ناهيك عن حبال مودة مديدة، وقنوات تَواصل خفية تتحدى عيون الغربة وبعد المزار. تنقلُ بيننا الأخبار، وتُطلعنا على ما يدور في خَلد كل منا من هموم وأسرار.
وهاهي ذي أصداء صوتك الأبحِّ تتردد في سمعي وتلحفُ في السؤال: كيف الحال وإلى أين المآل؟..
كيف استقبلتم رمضان وكيف ودعتموه؟ وكيف أهَلَّ عليكم العيد الصغير وكيف تستعدون لاستقبال العيد الكبير؟. كيف كنتم وكيف صرتم ؟. وهل تغيرت حالكم أم لا زلتم كما كنتم لا في العير ولا في النفير؟..
ألا زلتم أبعدَ ما تكونون عن ضفاف الصباح، في ظلماء جاهليتكم تخبطون، وفي جغرافيا مطوقة بالهوان سائبين؟.
ماذا عساني أن أقول لك وبأي لسان أردُّ عليك، والكلمات أعجز من أن ترسم لك صورة عن أحوال الأمة؟. لقد جشمتني مركبا وعرا. ولعمري إن الصمت أبلغ من الكلام لولا أني أخشى تبعات الندم، لأني أعرف شدة ظمئك إلى سماع «أخبار الأمة»، رغم أنها كالمأساة لا تسُرُّ أقرباء ولا بعداء، وأن أليق صفة بها هذه الأيام أنها مجلبة ل «الغمة»، مدعاة للبكاء!.
هل أذكر لك أخبارا أستحيي من أن أُلطِّخ بها سمع التاريخ؟. أم أنني، رأفة بك، سأتحفظ عن ذكر أخرى لأن ذكرها أشبه ما يكون بنكء جراحات هامدة وإيقاظ أوجاع نائمة؟. ولهذا أرى من الخير أن أسرها في نفسي، إسرار يوسف لأحزانه في نفسه، بالرغم من كونها لاذعة كجمرات حارقة.
لقد سألتني عن عظيم ويا ليتك لم تسألني. وعفوا إن صارحتك وزرعت الأسى في فضاء غربتك، أو أذيت شعورك، من حيث لا أقصد، بصراحتي.
ويا رب صراحة طعمها مر، وقعها في السمع لاذع كشفرة جا رحة!.
لقد أقبل رمضان علينا كعادته بأجوائه الروحانية التي نتشوق إليها كل عام. لكن خلال هذه السنة، وبصورة استثنائية، جاء محملا بهموم وأسئلة من نوع خاص.
والحق أنه لاعتبارات خاصة بالظروف الحرجة التي تمر بها الأمة الإسلامية عامة وأمتنا العربية على الخصوص، كان أحرى بنا أن نتوقف عند هذه المناسبة الدينية المهمة لوضع الأسئلة الكبرى حول علاقتنا بالدين، وحول علاقة الدين بواقعنا بمختلف أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
والأهم من كل ذلك أن نجعل من رمضان محطة أساسية للتساؤل حول علاقة الدين بأحوالنا القومية وعلاقتنا بأهل الديانات الأخرى، ونطرح على أنفسنا أسئلة من قبيل: أين نحن من الآخر إذن؟، أين تتموقع الذات العربية و الإسلامية من الغرب المعاصر بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والحضارية عموما؟..
جميل أن نفتخر بديننا، في معرض الفخر، ونتغنى بانطوائه على قيم عظيمة مفتقدة في غيره من الديانات والعقائد، وأن نجتهد، قدر المستطاع، في الكشف عن مظاهر إعجازه لنُبهر الأصدقاء ونغيظ الأعداء..وماذا بعد؟
الحق أننا حينما نتأمل علاقتنا بديننا، ومدى حضوره في سلوكنا و تمظهره في مجالات واقعنا، سرعان ما نكتشف، وبكل مرارة، أننا أبعد ما نكون عنه، وهو أبعد ما يكون عن واقعنا وشؤون حياتنا. نحن منه برآء، وهو بريء منا.
ما ذا أفدنا منه؟. وماذا فعلنا به طيلة الخمسة عشر قرنا الماضية؟.
لقد جسدناه في بنايات فخمة مبنية بأحدث التقنيات وأجملها وبأقوى مواد البناء وأصلبها. ضمَّخنا أفنيتها بالعطور والبخور.. ونمَّقنا أسقفها بالثريات المذهبة والزخارف اللامعة، وأضأنا ردهاتها بالمصابيح الملونة، وفرَّشنا أرضياتها بالزرابي المطرزة..
حصرناه- ديننا- في نطق زائف بالشهادة، وحنطناه في صلوات متفاوتة على مستوى التوقيت في شكل حركات بهلوانية يومية، وفي طقس تجويع للذات على مدى شهر نقبل على ممارسته، أو هو الذي يقبل علينا كل سنة..وماذا بعد؟.
هل استطعنا، بعد كل هذه القرون الطويلة الماضية، أن نبني جدلية فاعلة ومفيدة بين «الإسلام»و«الواقع» أو بين (الدين) و«الدنيا»؟.
هل تمكنا من تحويل الإسلام إلى طاقة محركة لمشروع نهضة ما، كما فعل أجدادنا؟..
غالبا ما نربط بين «العروبة» و«الإسلام» في خطاباتنا وشعاراتنا. لكن هل تمكنا من بناء جامعة عربية أو من بناء أمة إسلامية؟..
هل تمكنا، على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري من بناء «قوة إسلامية» من شأنها أن تكسبنا هيبة واحتراما، وتمنع الطغاة المعاصرين من إرسال البوارج والمدمرات من وراء البحار إلى مياهنا الإقليمية من أجل محاصرة بعض بلداننا، ومن أجل حماية ظهور المجرمين لكي يستفردوا بأشقائنا؟..
لكم تحولت منابرنا إلى قواعد لإطلاق سُيول الدعاء على الكفار والمشركين وأهل الكتاب ممن ابتغوا غير الإسلام دينا..
لكن، هل استطعنا، نحن العرب والمسلمين، أن نجبر هؤلاء «الجبابرة» المتحكمين في مقود سفينة مجلس الأمن، على دفع هذه السفينة في الاتجاه الذي يخدم مصالحنا القومية؟.
هل تمكنا- وإن شئت بلغة المتنبي- من جعل رياح الأحداث الدولية تجري بما تشتهيه سفننا العربية والقومية ؟..
هل رفع القانون الدولي عنا مظالم الطغاة الخارجين عن القانون الدولي، ومال مكيال العدالة الإنسانية إلى الكفة التي تخدم أوطاننا العربية والإسلامية.؟..
هل أفلحنا في إرغام الكبار على احترامنا والاستماع إلى صوتنا العربي الإسلامي؟. لقد انبح صوتنا وهو يطالبهم في سالف الأيام بإطفاء المحرقة المتوقدة في جزء غال من وطننا العربي الكبير وهو قطاع غزة الأبية. وهاهوذا اليوم يناشدهم بالسماح للمواد الغذائية ولوسائل الإغاثة والتعمير بالدخول إلى مدن وقرى إخواننا المظلومين والمحاصرين في ذلك الشريط الضيق والغالي من فلسطين السليبة. فهل اكترث أولئك الكبار لصوتنا ؟..
أإذا أطنبنا في الكلام عن الدين والإسلام وتغنينا به، وصمنا الدهر، وملأنا أرجاء أوطاننا بالمعابد الضخمة المزخرفة، نغير أحوال أمتنا ونزين صورتها التي لحقها البهت في أعين الصديق والعدو، ونقنع الآخرين بالدخول أفواجا في دين الله؟..
نستحي أن نقول في« ديننا » لأن هذا الأخير فقد صلاحيته منذ عهد بعيد. فلم يعد له دور أو تأثير في الداخل. ولم يعد يغري أحدا، من مشركين وأعاجم، في الخارج، بالدخول فيه سواء فرادى أو أفواجا.
بل ماذا تغير في واقعنا الإسلامي البائس حتى نكون قدوة لغيرنا ونغري الأجانب بالإقبال على تراثنا واتباع ملتنا، والسير في طريقنا، واعتناق ديننا؟.
لم نعد كما كنا خير أمة أخرجت للناس!.
بل صرنا أمة ممزقة الأوصال، مشلولة اللسان، فاقدة لحاسة الاحتجاج. نحن أمة سفيهة تبذر خيراتها فيما لا يرضي الله وشعوبها. أمة لا يحترمها أصدقاؤها ولا يخشاها عدوها. أمة خذلت نفسها فانتشرت رائحة خذلانها في عرض السماوات والأرض..
أمة هي اليوم أبعد ما تكون عن الله. قد ابتعدنا عن الله ونحن الذين نتسابق كالقطعان بدون وعي ولا إيمان إلى دور العبادة، طمعا في جنة قد أوصدت أبوابها في وجوه المنافقين، وخوفا من عذاب جحيم، قد أشرعت أبوابها، وأعدت للخاذلين. .
نتسابق خلف مصالحنا الضيقة ورغباتنا الصغيرة.. نحملق في مآسي بعضنا بعيون مغمضة. ولا نزال، والأمل يلهينا، نلهث فوق الجراح والقبور الجماعية، بمشاعر قاسية وقلوب خالية من الرحمة..
نتنافس في تكديس الأموال في أفخم بنوكنا. بل قد نقتطعها من قوت يومنا ونوفرها ليوم نشد فيه الرحال إلى مهبط الوحي لنستحم بطهره، ولنغسل بشعيرة الحج ذنوبنا..
نسابق أوهامنا إلى الديار المقدسة للتمسح بكعبة طاهرة تتبرأ من معاصينا السياسية والقومية. ننفق أموالا طائلة من أجل سياحة شكلية لا تقربنا قيدَ أنملة من رضا الله ولن يكون بوسعها أن تمحو عيوبنا..
نُبذرها، كالسفهاء، من أجل تجميل قبحنا، طمعا في طمس معالم جرائم خذلاننا، ومحو وصمات عار مطبوعة على جباهنا..
وفي المقابل، حولنا، في مسرى النبي، إخوان لنا ينهش الجوع والعطش من تبقى من أحيائهم، وتنهش الكلاب جثث أمواتهم على مرأى ومسمع منا وكأن أمرهم لا يعنينا. نمنع عنهم الماء والطعام والدواء، فضلا عن أبسط وسائل الدفاع.. نتلذذ بالتفرج على معاناتهم ما شاءت لنا قساوات قلوبنا أن نتلذذ، بآلام أولئك العطاش الجياع..
نستكثر عليهم طمعهم في مساعداتنا ونضع أصابعنا في أذاننا حذار سماع أصوات استغاثاتهم الجريحة، ولا نستحي من أن نجعل أيادينا، إذ يستنصروننا، مغلولة إلى صدورنا إخلاصا لساديتنا..
ألا بئس ما نفعل!. نضن عليهم بفتات القناطير المقنطرة من أموالنا، ولا ينتابنا إحساس بالذنب إذ نجود بها، حد السفه، على من يظاهر أعادينا..
عار علينا أن نبذر ثرواتنا فيما لا يخدم مصالحنا القومية، كدأب إخوان الشياطين، وحولنا آلاف المعطشين والمجوعين والمحرومين من الحد الأدنى من مقومات الحياة من أهالينا !..
نتنافس على اكتساب «ألقاب الحجاج» لنتاجر بها في معرض المزايدة بالألقاب!. تارة نتخذها أقمصة وقار لنستغفل بها البسطاء ونخادع بها الله و زبائن أعوزتهم الحيلة لكسب رزق حلال في أوطاننا..
وتارة أخرى نتخذ منها مراق للتسلق إلى مراتب لا نستحقها، أو لاكتساب منصب اجتماعي وجاه مزيف في مجتمعاتنا..
يا شقيق روحي، إن الله في هذه الأيام غضبان من تخاذلنا ومن فرط أنانيتنا ومن تبذيرنا لثروات فيما لا يرضيه، أخاله سبحانه يلعننا ويبكينا ..
نحاول عبثا الظفر برضا الله!. وهل رضاه يليق بالقاسيات قلوبهم من أشباهنا؟..
يا لطالما سألتني عن أعيادنا الزائرة لأوطاننا، حولا بعد حول. وبأية حال ترحل عنها و تعود؟. أتعود إليها بما مضى– على تعبير المتنبي- أم بأمر فيها تجديد؟.
لا جديد تحت شمس الأمة!. ولولا خشيتي من تثبيط همتك وإلهاب حرقتك وتعميق إحساسك بغربتك، لقلت لك إنها أشبه بجثة هامدة تعودها الأعياد فقط من أجل الترحم عليها!!..
لقد مرت أعياد تلو أعياد ودماء أمتنا الغالية تسفك بلا شفقة أو رحمة. ونحن في وادي الخذل هائمون. وها هو العيد قد عاد إلينا ونحن في موقعنا المخزي، المعروف من قبل القاصي والداني، قاعدون. نتفرج على مأساة أحبتنا في غزة ببرودة أعصاب، وربما بتشف، ومأساتهم أكبر مآسينا..
نعجز عن إبصار الجرائم المروعة وكأن ما يمر أمام أعيننا من أهوال من نسج خيالاتنا..
كل عيون الدنيا رقت لحال غزة وجرى دمعها مدرارا إلا عيوننا. فيا عجبا!. أي داء أصابنا حتى تحجرت قلوبنا فغدت أقسى من الصخر؟.
أي قحط غزا أرواحنا فلم تعد صور الفظائع تبكينا، ولم تعد مشاهد أنهار دموع منحدرة من مدامع صبيان وثكالى قادرة على إقطار، ولو بالعدوى، بضع قطرات من مآقينا!!.
ألهتنا أموالنا وأولادنا وبطرنا فتحجرت عواطفنا القومية ولم يعد بإمكان صور الخراب والقتل الجماعي أن تخاطب ضمائرنا ..وإن من الصخر ما تتفجر من عيونه دموع الرحمة وتتفطر قلوبه حزنا على بلايانا!!
يا ويلنا ماذا حل بنا حتى ضللنا الطريق المؤدي إلى الشمس؟، وانحشرنا في هامش المعاصرة ذاهلين؟..
لقد غدونا يتامى في العيد. بل أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. نشحذ ملايين السكاكين والهمم ونتسابق إلى حظائر قطعان الأغنام لاقتناء أضاحي من أجل التقرب بشعيرة العيد إلى الله، ونتباهي ونتفاخر بتخير القُرْنِ والمُلْحِ. ونصرف أموالا طائلة لشراء أغلاها.
وننسى أن الله في غنى عن ترفنا ومَنِّنا وأنه لا يهمه شيء من نُذرنا وقرابيننا غير تقوانا( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )
و نتناسى أن أثمان الملايين من الأضحيات أولى بها أن تُوجَّه إلى المرابطين في الأنفاق والمدافعين عن الأرض والمقدسات.
فهل يرضى الله عن أمة تسفح دماء خرفان نبيلة، رياء وتكاثرا، في يوم يسفك فيه الأعادي دماء فلذات أكبادها أمام أعينها، وترضى أن تخلع العزة وترتدي ذلا وهوانا؟.
عزيزي!. إن الله يتعفَّف من نيل نذر وقرابين كان أجدر بها أن تُنفَقَ في سبيله وفي إطعام ذوي قربى ويتامى ومساكين وأعزة منكوبين في ربع غال من ربوع أمتنا. أو أليسوا أشقاء لنا، جيناتهم امتداد لجيناتنا ولغتهم لغتنا ودينهم ديننا و دماؤهم تجري في عروقنا. وأنهم فوق هذا وذاك بنو جلدتنا؟.
يا ويحنا ما أكفرنا؟. ماذا دهانا؟..لشدَّ ما قست قلوبنا فأصررنا على أن نكون كلَّ شيء إلا أن نكون مؤمنين!.
•المصطفى الشادلي
الاثنين 9 يونيو 2025
