«رسالة الفقدان»

مضى وقت طويل خلته دهرا وأنا أناديك بكل لغات الأكوان..

لكنك لا تردُّ وكأن خطوبا جليلة سبتك وطوَّحت بك خارج مدارات  الزمان والمكان..  

ما بالك بأحوالي ما عدت  تبالي، أأنت في شأن آخر، أم غدوت في غنى عني؟….

أم  استطبت البقاء في مجاهل غربتك، ووضعت، فيما يبدو لي، أصابعك في أذنيك كي لا تسمع صرخات أشواقي ونداءات حنيني؟..

أم شددت الرحال إلى ما وراء أصقاع غربتك، واستطبت التوغل في أعماق البعد لكيلا تراني؟..

لكنني في كل الأحوال ألتمس لك من الأعذار ما لا يخطر لك على بال:

فكم وشت إلي خواطري بما يشغل بالك من هموم الأوطان. ولعمري إنها أكبر مما تعجز عن حمله صدور البحار وظهور الجبال..

  فلا يخامرني شك أنك من أهل الوفاء، تحس بما يختلج في صدري، وتسمع في سرك أصداء أنيني وأنك يا قدري الجميل تعاني مما أعاني..

وكيف لا؟ وأنت مرآة روحي والوجه الآخر لبقائي، وأدني إلي من حبل الوريد في كل حال..

وأنك الوحيد الذي يفهم لغة شجوني الخرساء ويدرك بالفطرة أسباب آلامي ومدى آمالي..

ذكرتك والذكرى تهيج نار الأشواق وتزرع السهد في المآقي. فكيف الوصول إليك  بعدما أعوزتني كل حيلة واختبرت كل وسيلة، وليالي شتائي صارت أكثر مما يحتمل صبري طويلة ومملولة.

وإلى أين المفر بعدما انبح صوت ندائي واستنزف صمتك القاسي تضرعي ودعائي، وشل الكمَد لساني؟..

لم يبق لي إلا أن أهرع إلى قلمي لأكتب لك رسالة. عل كلماتها المبللة بالدمع تطلعك على بعض أحوالي، وتكشف لك عما أكابده  في أقاصي غربتي من آلام، وتخبرك عن مصيري بعدك وعن مآلي..

عسى عباراتها الحرى تفضي إليك بما يثقل كاهلي من أمال، و تفصح لك عما شجاني.

وبعد،

لقد صرنا غريبين لكنني أراك في كل آن..

وأسمع ما يجيش في صدرك من هموم وأشجان..

ولا عجب في ذلك لأنني أسكنتك في قلبي، فغدوت امتدادا لوجداني وكياني..

هل تذكر تلك العشية الغائمة، حيث كانت الرعود تهز أركان الدنيا، وانفجارات البروق تضيء مجلسنا؟..

هل تذكر لما كنا معا حول الموقد متجاورين، نقرأ أخبار الأمة على وهج الجمر الملتهب، وكانت الدنيا حولنا كمرجل في أوج الغليان؟..

أسكرتنا أخبار الهزائم وأرعبتنا أنباء حروب طوائف المطربشين وذوي العمائم..

ودهانا مكر ذوي القربى وتغول الغرباء من الصقور والحمائم..

وضقنا ذرعا بأصداء الانتكاسات وبروائح الخذلان..

فطويت ما أسميته حينذاك سخرية «صحيفة الأحزان»..

وأمسيت تحدق في الجمر الملتهب وتلعن التاريخ والجغرافيا وكل الأوطان؟..

ما أقسى تلك اللحظات!. لقد ضاقت الدنيا بما رحبت في عيوننا وبدأت الغربة اللعينة تتمدد بيننا  كالأفعوان..

وكان الشتاء الهمجي قد أكمل بناء سياجات الصقيع حول مجلسنا، وانتابنا إحساس بالاختناق والغثيان..

أما أنا فقد صرت أبحث عن مهرب ما…رمقت البوابة فوجدتها موصودة..

والتفت إلى النافذة فأبصرت قضبان الظلام عبرها ممدودة،.

ووجدتني مطوقا من كل الجهات.  ولم يبق لي مفرٌّ غير الشاشة المعلقة على الجدار..

مددت يدي إلى جهاز تحكم عن بعد وانطلقت فيما يشبه رحلة خارج الزمان والمكان..

تارة أراني كأنني سندباد العصر، ممتطيا أمواج البحار

أتنقل بين مغرب ومشرق، متفقِّدا أحوال البلدان،

أو مقارنا بين الأمصار ..

وتارة أخرى أراني على بساط ريح مُحوِّما فويق أقطار أمتي المطوقة بالأسوار….

لعلي كنت خلال رحلتي أبحث عن ملجأ روحي وعن مصدر سلوان..

لكنني، وا أسفاه، كنت كالهارب من الرمضاء إلى النار!..

أنى وليت وجهي أبصر صورا حمراء تقطر دما كالذبائح، فتوقد السهد في مدامعي..

وأسمع أخبارا رقطاء لا تنفك تلدغ مسمعي وتوقظ بعنف مواجعي.

استندت إلى الجدار مرهقا..وأمسيت أستعيد مشاهد رحلتي العجيبة وأتذكر ما علق بسمعي من أخبار..

وسرعان ما جرفتني غفوة عابرة  فغرقت في حلم قصير مزعج. لعله لم يدم غير بضع ثوان..

بدت لي خريطة الأمة، من عل، ضيعة كبيرة بها ورثة أشداء يقاتل بعضهم بعضا ومن حولها نهر وحشي كالغول..

يجرف أطرافها تباعا إلى متاهات المجهول..

وإذا بي أسمع دمدماتك وأنينك الباطني كحشرجة متقطعة. أفقت من كابوسي مشدوها فالتفت إليك كما يلتفت الغريب إلى الغريب..

وصرت أحدِّق  فيك مليا كأنني أراك لأول مرة بجواري..

لا أخفيك أن تأكدي من وجودك بقربي رد إلي بعض طمأنينتي المفتقدة وأنقذني من مخالب هواجسي..

لقد بدوت لي حينها كما كنتَ تبدو دوما، سواء في وقت شدة أو رخاء، مهربي وملاذي ومؤنسي..

والأجمل من ذلك أنك لحت لي، في ظلام الوقت، خير منار.. 

كنتَ مثلي تتفرج على أحوال الأمة من زاويتك وندفُ زَبد بيضاء تلفُّ شفتيك..

أكنت تصرخ أو تلعن أشباح الانحطاط في سريرتك أو كنت تتجرع غصصا مُرة  في وحدتك؟..

كل ذلك محتمل لكنني متيقن أنك أفقت مثلي ذاهلا ومحطما من كابوس مرعب.

 أذكر أنك لملمت قواك المنهارة، واستندت إلى الجدار، وأطرقت برهة منصتا لدمدمات الرياح..

ثم صرت تجتر خواطرك وتمسح دمعاتك بمنديل أرجواني كلون الجراح..

  وما عتمت أن أمسيت تعنِّف نفسك بقسوة وتدمدم.

كانت دمدماتك تتصاعد على قدم وساق..

وشظايا عباراتك الحادة  تتطاير مثل ذرات بصاق:

 » نحن.. أعداء.. أنفسنا.. نتقاتل.. بدون سبب.. أو داع »

ثم صرخت بقوة: « أريد أن انسلَّ من هويتي ومن انتمائي ومن وجودي ومن أوجاعي..

أريد أن أُخلع من انتمائي إلى قبيلة الأفاعي! »..

 إزدردت ريقك وأضفت متأوها بما يشبه مونولوجا دراماتيكيا: بل قبيلتي أدنى مرتبة من فصيلة الأفاعي..

هي ، على الأقل، تلدغ أعداءها، وليس من طبعها أن تلدغ بني جلدتها من غير داع..

  وتتجدد باستمرار.وتنسلخ من هوياتها، وتتمرد على قدرها اللعين..

اعتدلت في جلستك وأخذت تضرب بقبضتك على الجدار كأنك في منبر خطابة:

لا بد أن نحطم الأوثان..

ونعيد رسم خريطة الأوطان..

ونجهل فوق جهل الجاهلين..

ثم استدرت نحوي وقد اغرورقت عيناك بدمع أحمر وناشدتني بحرقة: 

أعلنْ في الناس براءتي من  نفسي ومن أمتي.. ومن قبائل المنافقين..

قلت لك ساعتئذ وأنا أتأمل السماء الملبدة بغيوم سوداء عبر النافذة المجاورة:

تفاءل خيرا تجده، لا تكن مواليا للعدميين. .

وصرت أعزيك بعبارات «أبي ماضي»:

(قلت ابتسم يكفي التجهم في السما)..

وأردفت: من الخير ألا تحذو حذو أولئك الذين لا ينظرون إلى غير النصف الفارغ من الزجاجة، المصابين بالعمى..

رحماك لا تكن من المتشائمين!..

و خاطبتك بما يشبه عتابا ناعما: لا يليق بمثلك أن يكفر بالتاريخ وبالجغرافيا..

أو تتناسى بأنك الوارث لتاريخ مجيد..

 و سليل خير أمة أخرجت للناس منذ زمن بعيد؟.

حدجتني بنظرات قاسية ولسان حالك يخاطبني بنوع من السخرية المرة، أو بعبارات حزينة كالأنين:

لا تكذب على نفسك وعلى الآخرين..

وانبسط صمت ثقيل بيننا، فافتقدنا التواصل ردحا من الزمن،حسبته دهرا أطول من الأيام والسنين..

أما أنا فقد أنهكتني خيبات حاضري، واستبدت بي مخاوف غدي..

لوت يدا الإرهاق عنقي،  فدخلت في شبه غيبوبة. أما أنت فلم أدر ما فعلت بك يدا السهاد بعدي..

آه ! ..أذكر أنني أفقت مرتعبا على صرخاتك. انتفضت دائخا ..فركت عيني.. وانطلقت أسابق الزمن في محاولة مني لأفهم ما حدث. حملقت حوالي

فبدوت لي عبر ضياء الموقد صامتا في صورة الفقدان..

تحدق إلى الشاشة بعينين غائمتين، شابكا يديك حول رأسك، 

ومن بين شفتيك تنقذف همهمات كأنات المحموم، كالهذيان..

أثار توجساتي خاطر ما، لست أدري تفاصيله، فهرعت إلى النافذة المجاورة واضعا يدي على قلبي، وطفقتُ أحملق في العالم الخارجي الذي بدا لي، في تلك الأثناء، غارقا في الصمت والهزيع كالتمساح يخنق أنفاسه.

ومن حين لآخر، بروق بعيدة تخطف البصرعبر كثبان الغمام..  

ملت ببصري إلى الجهة الشرقية مشفقا. لست أدري كم وقتا لبثت هناك مشدوها مرهفا سمعي إلى  نواح الوقت وهدير الأعاصير وجلجلات الرعود. خطر لي أن الكون يرتج فوق قرني ثور أهوج وطبقاته تتهاوى تباعا..

 وأمسيت أجيل بصري يمنة ويسرة من خلال ستائر الظلام..

أفتش عن ملامح أمتي وعما يبدد مخاوفي. لكنني لم أتحقق من أي شيء غير متاه اليباب الوارف، وقساوة آلامي..

خطرتَ ببالي فجأة فأدرت ظهري للظلام وعدت إليك مسرعا. تسارعت دقات قلبي لما بدوت لي عبر ضياء الموقد واقفا على العتبة، واجما، منهمكا في لملمة وجودك المتصدع، وتأبط حقيبة أحزانك.

 أدركت أن ما كنت أخشاه قد وقع. تسألت بحرقة: يا ويلتي هل هذا إيذان بفراق بيني وبين شقيق روحي؟..

من يإلهي يؤنسني في وحشة الوقت؟، من يرمِّم وجودي المتصدع ويُبلسم جروحي؟..

كانت عيناك متقدتين، وكل جوارحك تتأهب لمعانقة المجهول..

فاستجمعتُ قواي المنهارة وهرعت إليك. وشددت على معصميك، ومازلت أدعوك باسم الدم والقرابة والعروبة والإسلام، وأستعطفك بكلام معسول.

وأتقرب إليك بكل ما اختزنه قلبي لك من تالد المودة وطارفها وأسترحمك..

عسى كلماتي تقع في سمعك وقلبك وقع الغيث في القفر الغليل..

فترثي لحالي ثم تلغي قرار الرحيل..

لكن هيهات هيهات لما آمله. لقد طارت الطيور بأرزاقها كما يقال!. وبدت توسلاتي مجرد حفظ لماء الوجه، لا تقدم ولا تؤخر..أو كانت، على الأرجح، محاولة إنقاذ فاشلة جاءت بعد فوات الأوان.

وإن أنس فلن أنسى وقت الفراق..

لا زلت أذكر تلك اللحظات القاسية حين وقفنا على العتبة نجاذب بعضنا. أحاول عبثا أن أثنيك عن قرارك القاسي فلا تلين ولا تستجيب: وصرت تخيرني بين أمرين أحلاهما مرٌّ.

خاطبتني والأحزان متقدة في مقلتيك..

والدموع منسدلة على خديك:

إما أن ترافقني بلا شروط وإما أن تطلق سراحي لأعانق وحدي الآفاق..

 وزمجرتَ بصوت كالهزيم:

أمة النفاق..

قلت لك معاتبا والحنق يعتصرني: ويحك. هذه أمتك. بل أمك الرؤوم.

فرددت بقسوة غير معهودة:

لم أعد احتمل البقاء في هذه الجغرافيا اللعينة المسكونة بالجبن والخذل والشقاق ..

وصرتُ ألاطفك وأتسمَّّع دقات قلبي إذ تدمدم في أعماق أعماقي:

« أوصدي أبوابك في وجههّّّّّّّّّّّّّّّ،  يا كل الفجاج والآفاق »..

فهمستُ في سمعك بنبرة يغار منها الرحماء:

 « أنت وحيد أمتك البار..أنت  أوفى الأوفياء »..

 فهل بمقدور البار أن يهجر الحضن الدافئ الذي ترعرع فيه، ويتنكر للأم التي رضع حليب الوجود من ثدييها؟..

أيرضيك أن تغدو أشقى الأشقياء؟..

ولم يفتني، كمن يُمنيِّ النفس بالتمني ويتعلل بالآمال، أن أُذكِّرك بالتريث، ذاكرا أن محنة أمتنا محنة عابرة، وسحب الوقت لا محالة زائلة.

وأمسيت أقتبس من زاد البلغاء..

وألاطفك برقة الشعراء،..

وأذكِّرك بما رددته «راحلة»:

«هل يهرب الغصن من ظله؟ ..و«هل يرحل الطيب من ورده؟ ».

وأضفت وقد أجهشتْ نفسي بالبكاء: 

أبعدَ رحيلك يغدو للبقاء طعم أو رائحة ؟..

انتفخت أوداجك وازمهرَّت عيناك، وبدأت نظراتك تطوف في كل مكان كأنها عدسات تبحث عن شيء مفقود..

وشفتاك ترتعشان. ومن بينهما كلمات حادة تنقذف كأنها رصاصا ت إعدام موجهة إلى رؤوس الأعداء:

«خونة..قاسيات قلوبهم..خاذلون.. لا كرامة لهم.. لن يشرفني أن أحيا بين ظهرانيهم بعد اليوم»..

وبدت أذناك مستنفرتين. لعلهما تتسمعان نداء بعيدا يناديك من وراء أستار الخفاء..

ناشدتك باستعطاف محاولا كتم غضبي الباطني: لا تلف و تدور. أفصح عما دهاك وعن حقيقة أشجانك يا هذا. أنا رفيق دربك ومستودع آلامك، والحافظ لودك وأسرارك على الدوام..

لا شيء في هذه الدنيا بإمكانه أن يفصم عرى المودة السرمدية القائمة بيننا. .

لا قوة في الوجود في مستطاعها أن تبعدك عن قلبي وخاطري..

ولو كانت أقاصي الغربة أو إغرءات المهاجر..

لاحظت إصرارك على الرحيل. ومع ذلك لم أيأس من تغيير قرارك بما أوتيتُ من إصرار وعزم الناصح الصابر.. 

أذكر أنه بعدما استنفدت كل عبارات الرجاء ن وجف ريقيونفد زادي من الكلام..

وقفت وسط مجلسنا الدامس..

وأشعلت شمعة مرددا في أعماقي: لا بد من إشعال شمعة بدل لعن الظلام.

ثم أخذت أنكأ بسبابتي خريطة كبيرة، مرسومة على واجهة مجلسنا، متمددة بين جبال الأطلس والخليج الفارسي.. 

وصرت أخاطبك بلهجة المشفق اليائس: 

أنت، والود الأزلي الذي يجمعنا، وهذه الأمة أقداري. أنتم الأركان الثلاثة التي يقوم عليها صرح وجودي..

أتريد بي شرا؟. أبعد اغترابك يصمد أمام أعاصير الوقت صرح وجودي؟..

أيرضيك أن ينهار هذا الصرح المجيد وأصير أضحوكة في أعين الأمم، وأن أدخل سعادة مجانية إلى قلوب الشامتين..

أيرضيك أن أثلج صدور الأعداء البعداء..

والأقرباء على السواء،.

وأصير موضوع تسلية يلوكه إعلام  الغرباء ؟..

وتشمت بي ألسنُ الانتهازيين والحاقدين؟..

لكنك هززت كتفيك ثم انسحبت مغتاظا موصدا باب مجلسنا بعنف اهتز له فضاء الكون في أعماقي .

وفي إثرك تتوالى أصداء عباراتك النارية، وتتردد كطلقات رشاش آلي بين أسوار الليل:.

«الحديث ..ذو شجون.. أرجوك.. لا تذع في الناس أخباري وأسراري..

ولا تطلع أحدا على وجهتي ومساري..

إنني منذ اليوم أضحيت حرا طليقا من قيود أحزاني

بلا هوية أو عنوان...»

ما أقسى الفراق من دون وداع. وما أصعب أن تغدو لاجئا  في مجاهل الغربة بلا هوية ولا عنوان!..

لكم أظلم الكون في عيني وحطمني هول الفقدان!،.

فدخلتُ في شبه غيبوبة أفقت بعدها على طقطقا ت الرعود وضياء البروق وولولات الأعاصير.

وأخذت أتفقد بلهفة أرجاء مجلسنا. لا وجود فيها لطيفك الجميل. فبدا لي كل شيء حينها خرابا.

ولا شيء أمسى يساهرني في وحشتي غير الشمعة الباكية المقرحة الأجفان..

وغمغمة الحطب في جوف الموقد،

وشاشة ساهرة معلقة على الجدار..

كاللعنة أو كوصمة عار..

 لا تزال ، من حين لآخر، تغمر سمعي بأخبار حروب الإخوة الأعداء، وبقرقعات  الانفجارات، وتقذف في عيني صور المجازر..

الآثمة..

وأشكال الدمار..

القاتمة..

 وقوافل النعوش وطوابير المقابر..  

أحسست بانقباض لعين، وبانكسار في وجداني..

ولا أكتمك أنه لأول مرة ذقت طعم اليتم ومرارة الفقدان..

وبقيت وحدي حول الموقد  مشتملا باغترابي، أتسمع أناتي وأحصي خساراتي.

تارة أنكأ الجمر. تارة أخرى أتلمس كل الأركان..

عبثا أحاول البحث عنك في كل مكان..

أناديك بما أملك من قوة ولا مجيب عدا صراخ أحزاني..

وجثوتُ مستندا إلى الجدار وحيدا أبكيك وأبكي أمتي وأرثي خرائط الأوطان..

وأسأل نفسي: هل كان علي أن أرافقه..

ويجيبني صدى صوتي: «من يرافق من؟. لقد دهاه ما دهاني ؟»..

 أحقا يا شقيق روحي صرنا غريبين، تفصلنا  صحارى الفقد

وبحار غربة عريضة وطويلة بلا شطآن..

ممتدة ما بين تطوان.. والسودان.. وعدن.. وبغداد .. ولبنان؟..

ويح قلبي هل ما عاد يجمعنا بعد اليوم نسب أو وطن أو انتماء إلى أمة العربان؟.

  • المصطفى الشادلي

(الجمعة 4 أبريل 2025)