السياسة والثالوث المقدس
تقوم السياسة على ثلاثة أسس أو أركان متينية:
أولها: «النظام»: فأي نظام سياسي لا ينجح في إرساء الوطن على قواعد «النظام»، فهو محكوم عليه بالفشل.
والنظام، في أبسط تصوراته، هو العقلانية في التسيير، والبرمجة، والتخطيط على المديين المتوسط والبعيد. فالنظام هو الذي يضمن للمواطن انسيابية الحياة. ولا تكون الأمور سلسة إلا إذا ساد النظام في الطرقات وفي مختلف مرافق الدولة، سواء كانت إدارات أم مصالح أو خدمات. وهذه المهمة موكولة إلى وزارات التجهيز والتخطيط وفروعها..
ثانيها: «الأمن»:بمعناه الشمولي، سواء اكان امنا جسديا أم روحيا أم غذائيا أم مهنيا..هو الذي يمنح الناس شعورا بالانتماء إلى الوطن. وكلما افتُقد الفراد والمجتمعات الأمن قلَّ تعلقهم بالوطن وازداد تفكيرهم في الهجرة.
ولا يجب أن يفهم من الأمن الجانب الاجتماعي الذي يحفظ للناس أرواحهم وممتلكاتهم فحسب، بل يجب أن يفهم منه أيضا المعنى العميق الذي يحيل على الثقة في الحاضر وفي المستقبل. ولذلك يحقَّ القول إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، كما لا يكفيه الأمن الجسدي أو السلامة البدنية ليستقيم وجوده، بل إنه في حاجة ماسة إلى الأمن الروحي أيضا، ذلك الأمن الذي يمنحه الطمأنينة على مستقبله ومستقبل أبنائه وأوطانه، ويحرره في نهاية المطاف من الخوف من المجهول.
ثالثها: العدل: لطالما ردَّدنا في أدبياتنا: «العدل هو أساس الملك»، وأساس أي نظام سياسي كيفما كانت مرجعيته الايديولوجية والحزبية.
إنه الوجه الآخر لمفهوم «الديموقراطية». ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن كل المعاني الراقية لمفهوم السياسة، مجتمعة، تدور حول هذا الأصل، أي مفهوم العدالة، وما عدا ذلك فليس سوى توابع وفروع. وأن كل الأمم الديموقراطية لم تكن ديموقراطية إلا لأنها أدركت حقيقة جوهرية، مفادها أن حيازة مكانة تحت الشمس رهينة بإرساء الأوطان على سكة«العدالة».
وهذا ما يُلاحظ بالنسبة للدول الناجحة في مجال الديموقراطية، إذ خاضت صراعات قاسية، وأدَّت تكلفة بشرية باهظة، متمثلة في قوافل من الشهداء، من أجل ترسيخ العدالة السياسية والاجتماعية في مجتمعاتها.
والمواطن والشعوب عموما يثقون بالسياسة حين يرون روح هذه الأركان الثلاثة، السالفة الذكر، سارية في مجالات الحياة. يرون النظام والأمن في الطرقات ويشعرون به في العلاقات الاجتماعية، ويعيشونه في القرى والمدن على السواء.
وتكبر السياسة في عيون المواطنين حينما يرون العدل في المجتمع ساريا، حيث توزع الخيرات بشكل متكافئ على الجهات، وينال كل ذي حق حقه من خيرات الوطن مباشرة، دون وساطات ومحسوبية، وذلك حسب إمكانياته وتخصصه في مجال من مجالات الحياة.
هذا الشعور هو ما يساعد الناس على ممارسة حياتهم الطبيعية، والتفرُّغ لإنتاج الخيرات في أمن وسلام، دون خوف من اعتداء أحد أو سرقة حقوقهم أو اغتصابها من طرف متجبِّر.
وحينما يُفتقد العدل تَفقِدُ السياسة طابعها الأخلاقي وتخسر نُبلها. ويفقد المواطن تبعا لذلك ثقته في وطنه وأمنه الروحين ويخاف على حاضره ومستقبل أبنائه. ويشعر بالغبن، ويتحصن بالسلبية، وبالانكفاء على الذات، أو بالتفكير في الفرار من وطنه، إما عن طريق المخدرات، وإما عن طريق زوارق الهجرة السرية والعلنية.
وفي أسوأ الحالات لا يتردد في إدارة ظهره لوطنه، والاصطفاف في طابور خامس، من أجل الانتقام من سلطات بلده، ويبع ضميره إلى أعداء وطنه بأبخس ثمن.
ولا شك أن هذه الأركان الثلاثة، المذكورة، بنيوية، إذ يشد بعضها بعضا ويكمل بعضها الآخر. ومن الخطأ الاعتقاد بأنه بالإمكان تجزيئها وإخضاعها للانتقاء. فلا يجوز الفصل بين هذه العناصر بحجة أن دولا متقدمة يسودها النظام، لكن قد ينتفي فيها العدل!.
فهذا غير صحيح. فالدول المتقدمة لا يمكنها أن تعيش بازدواجية، بحيث تنعم بالتقدم التكنولوجي والعلمي والنظام، وفي الوقت نفسه تحيا في مجال التخلف السياسي والاجتماعي. وقس على ذلك المواطنين الذي نشأوا في كنف دولة متقدمة، ورضعوا حليب التقدم والعلم وروح النظام. فلا يمكن لهم أن يفكروا بعقول راقية ويمارسوا سلوكيات متحضرة في الجامعات والمعاهد العلمية، وفي الوقت نفسه يسلكوا سلوكيات متخلفة في البيت والشارع وفي الحياة الاجتماعية.
وإذا كانت الإنسانية لا تزال تكابد مشاق رحلتها بين منعرجات الديموقراطية الوعرة وبين تضاريسها المحفوفة بالعراقيل والأخطار، فقد تمكنت بعض الدول من مراكمة نتائج مهمة على صعيد البناء الإنساني والديموقراطي، وكذلك على صعيد النظام والعدالة..
فصرنا نرى كيف أن المواطن، في تلك البلاد الغربية على الخصوص، يحرص على احترام القانون ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بحيث لا يتردد في التوقف عند «الخطوط الحمراء» في كل المجالات: في الطريق، أمام الأضواء الحمراء. وفي الإدارة يتوقف عند حدود مسؤولياته، فلا يتصرفُ في الملفات والأموال العمومية..إلا حسب ما تفرضه عليه المسؤوليةُ الملقاة على عاتقه، ولا يرتشي من أجل تزوير ملفات وقضايا وأحكام وحقائق ونتائج، ولا يستغل منصبه من أجل التحكم في مستخدميه ومرؤوسيه، ولا يستغل سلطته ومركزه ومكانته الاجتماعية لتوظيف أبنائه وأبناء عشيرته ..
إن التكامل بين هذه الأركان الثلاثة هو ما يشد أركان الوطان، ويصون صروحها ويحميها من الانهيار والخراب، ويجعلها صامدة دائما أمام اعاصير الزمن وتقلبات الأحوال. وهو الذي يمنح الاستقرار السياسي معناه الحقيقي ويحميه من الزوال.
********************
- د. المصطفى الشادلي
- (موقع شعلة التنوير)
