السلطة والتعليم

ما هي نوعية العلاقة الممكن قيامها بين «السلطة» و«التعليم»؟. هل هما ضدان، عدوان أم شقيقان؟. هل هما مختلفان أم متكاملان؟. هل يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر؟. وهل من الطبيعي أن يتنكرا للروابط الروحية التي توحدهما، ويديرا ظهريهما لمبدأ التعاون الذي يجب أن يجمعهما؟. أليس رجل التعليم هو الأب الروحي للشرطي؟. أليس هذا الأخير هو من يسهر على أمن وراحة رجل التعليم؟.

من المهم، في هذا الإطار، استحضار حقيقة مهمة ارتكز عليها مجال «علم النفس الجماهيري»، مفادها أن أساس الطبيعة الثابتة للأفراد هو الميل إلى السلمية والمهادنة والسكينة.. وأن «الانخراط في الجماعة » يدفع بالأفراد إلى التخلي عن طباعهم الذاتية الثابتة وتقمُّص طباع الجماعة: فتجد الرجل المسالم الوديع يتحول في غمرة الحماس الجماعي، وسط الجماعة، إلى غوغائي وإلى شخصية عدوانية. والحال أن هذا الشخص هو نفسه الذي تجده، في حالة الانفراد، في صورة شخصية وَدُودَةٍ خجولة وانطوائية..

ما ينطبق على حياة الأفراد داخل «الجماعة» ينطبق على الأفراد داخل «الوظيفة» أو «النظام»، أي نظام عملي أو مؤسساتي. فبمجرد ما ينخرط الفرد بداخله يجد نفسه مجبرا على التخلي عن فرديته وشخصيته وطبعه. وشيء طبيعي والحالة هذه أن تجد رجل سلطة أو رجل تعليم في مجال العمل وفي «المؤسسة» غيرهما في وضع إنساني عادي، سواء في حياتهما الخاصة أو في دنيا الناس..

ذلك الشرطي العبوس الذي نصادفه خلف كاميرا المراقبة الطرقية أو بجانب حاجز أمني، أو على حدود تظاهرة ما، هو الذي نجده في مواقف أخرى كأنه ولِيٌّ حميم.

ورجل الأمن الذي يُشاهَدُ داخل مظاهرة، أو حراك شعبي ما، هائجا، مرغيا ومزبدا..وذلك المشجع من «الالتراس» الذي يخرج عن طوره الآدمي ويتقمص شخصية المخرِّب، فيُرى وهو يحطِّم كراسي المدرجات وواجهات المؤسسات الخاصة والعامة ..كل هؤلاء  نصادفهم في حيواتهم الخاصة ، وعلى انفراد،  في صور آدمية متسمة بالرزانة والانضباط والحياء!.

وذلك العنصر من القوات المساعدة الذي يُرى في وضع هيجان وهو يجلد بقسوة مجموعة من المتظاهرين في مناسبة ما، غيره في مواقف وأوضاع حياتية أخرى تنم عن شخصية ودودة مفعمة باللطف والإنسانية. لهذا يجب التريث قبل الحكم على الناس وعلى تصرفاتهم. .

في الماضي القريب استوقفني حاجز «قف»، كان قد أقامه شرطيان في مدخل مدينة في اتجاه الجنوب الشرقي. كانت أمامي سيارة تسير ببطء شديد، وصاحبها يتأهَّب للتوقف وهو يقدِّم رِجْلاً ويؤخِّر أخرى لأنه حائر في فهم إشارة الشرطي الملتبسة والمتراوحة بين «قف» و«مر».

كنت حينها متوقفا خلفه، منتظرا على أحر من الجمر دوري للمرور، ومترقِّبا إشارة الشرطي لكي يسمح لي بمواصلة السفر بعد نصف يوم من مكابدة أتعاب الطريق.

تأكد لي أن الشرطي أذن للسائق بالمرور. لكنه لم يتحرك. فبدل الانطلاق أخذ يلتفَّت يمنة ويسرة ولم أشعر إلا وأنا أضغط على المنبه لتنبيه السائق الشارد إلى إشارة الشرطي. وإذا بهذا الأخير يرسل إلى صاحب السيارة إشارة المرور بِيَدٍ ويشير إلي بيد أخرى من أجل التوقف على جانب الطريق.

أدركت على الفور أن حركة الضغط على المنبِّه ليست مناسبة في هذا المقام وأنها سبب توقيفي. لكنها في كل الأحوال لا تنطوي على أية نية للتطاول على هيبة الشرطي لاسيما أنني امتثلت لإشارة « قف».

تصاعدت دقات قلبي قائلا بيني وبين نفسي ووَعْثَاءُ السفر تجلدني: لا شك أن حظي العاثر أبى إلا أن يُنغِّص علي متعة السفر!. فبعد عمليات الإفلات المتوالية  على طول الطريق الطويلة من شَرك كاميرات الدرك ها أنذا أسقط في الفخ!.  يا له من طريق مشؤوم وحظٍّ عاثر !. لعنت في سِرِّي هذه الظنون ولبثت قلقا أنتظر سماع النطق بالتهمة.

اقترب مني الشرطي عابسا وبعدما وجه إلي تحية احترام عادية، يقتضيها الواجب، أشار إلي بمدِّه بوثائق السيارة. امتثلت لأوامره مرددا: مرحبا. وسلمت له الوثائق تباعا بكل ثقة مقتنعا بكونها كلها على ما يرام. تفحصها مليا وطواها برفق، ثم توجه نحو مخفر صغير ولبث به ينجز محضر مخالفة قانونية ما. أما أنا فاكتفيت بإيقاف تشغيل محرك السيارة وانتظار الرَّد. وقد أخذتني العزة بالنفس لأنني مقتنع في أعماقي بأنني لم أرتكب مخالفة تستوجب عقابا ما..

بعد برهة عاد إلي الشرطي عابسا ثم قال بكل اطمئنان: «لقد أخطأت حين ضغطت على منبه السيارة!. ولعلمك فهذه مخالفة يعاقب عليها القانون!.» ثم أردف موضحا: «لأن من شأن ما قمت به أن يحدث لدى السائق الآخر ارتباكا ويؤثر على نفسيته وسلوكه، مما قد يدفعه، لا قدر الله، إلى ارتكاب حادثة سير ووقوع ما لا يحمد عقباه»…

لاحظت أن الشرطي يؤكد على المخالفة، ولم يلبث أن انثنى نحو الواجهة الخلفية للسيارة وأخذ يتأملها بإمعان. ووَشْوَشَتْ لي ظنون: لعله يتأكد من اشتغال الضوئين المتصلين بالمكابح، في محاولة منه لاقتناص مخالفة إضافية تدعم المخالفة الأولى المفترضة وتقويها.. وعاد إلي ثانية مرددا: «لقد ارتكبت مخالفة»…

قاطعته بأدب جم: «يا «أستاذ»!، معذرة..لم أرتكب أية مخالفة. ما قمت به مجرد حركة تنبيهية بريئة.. الهدف منها تنبيه السائق إلى إشارتك ، لا أقل ولا أكثر»…

تأملني مليا، وفي نظراته بروق مودة خاطفة. قلت في نفسي: لعل كلمة «أستاذ» حركت بداخله شيئا ما..قد يكون حنينا ما..أو رجَّتْ بعنف طبيعته الإنسانية..أو أيقظت في ضميره إحساسا بذنب ما.. وإذا به يخاطبني بأدب: « في أي مجال تشتغل؟».

قلت: «في مجال التدريس»…

وفجأة تهللت أساريره وأشرقت في وجهه ابتسامة عريضة وانطلق يعيد إلي أوراق السيارة مرددا: «احتراماتي.. أنا أُكِنُّ كل المحبة والتقدير لأساتذتي!». ثم تابع مبديا الأسف على ما صدر عنه: «كان عليك أن تخبرني بكونك أستاذا منذ البداية..رجال التعليم فوق رؤوسنا». وصار يحكي لي مقتضبات من سِجِّلِ حياته ذاكرا أنه كان  مُسجَّلا بالجامعة.. وكان يَحدوه أمل في متابعة دراساته العليا.. و أنه كان يعتزُّ بأساتذته عموما.. وأنه لا يزال يحتفظ بالتقدير لكل من علَّمه حرفا، ولا يزال ينحني إجلالا أمام أساتذته بالرغم من كون بعضهم أصغر منه سِنًّا..»

شكرته سرا وعلانية مؤكدا له أننا- كل المشتغلين بأسلاك التعليم- بدورنا نُكنُّ لكل رجال الشرطة والدرك كل المحبة والتقدير ..وقلت له بوضوح:«أنتم كذلك في قلوبنا وعيوننا وعلى رؤوسنا لأنكم الساهرون على أمننا وتطبيق القانون. فلولاكم لعمَّت الفوضى ولأَكَلَ القوي الضعيف..».

وأردفت: «كلانا، شرطة وأساتذة، هدفنا واحد هو المحافظة على هذا الوطن الحبيب والنهوض به  رغم اختلاف وسائلنا في تحقيق هذه الغاية النبيلة.

أنتم تحمونه من شيطان اسمه الانفلات الأمني والفوضى غير الخلاقة أو اللاأمن.

وهذه مهمة نبيلة يشكركم عليها الوطن بكل تأكيد. ونحن بدورنا نحميه قدر المستطاع  من شيطان «الجهل». ولعل هذا الأخير مصدر كل الشرور.. بل هو أصل دمار الذات والأُسَر، والسبب الرئيسي في خراب المجتمعات، وخراب الأوطان والعمران في نهاية المطاف..»

وشكرته على دماثة خُلقه قائلا: «أنت لم تقم صراحة بما يحملك على الاعتذار!. أُحيِّيك لأنك قمت بواجبك، ونبهتني إلى سلوك كان عليَّ ألا أقوم به. وفي كل الأحوال رجل التعليم مواطن قبل كل شيء كغيره من المواطنين تحت القانون وليس فوقه، ومن المفروض أن يكون أول من يحترم القانون..»

وافترقنا. كما يفترق عادة حميمان. مالَ نحو موقفه السابق ليتابع عمله، في حين تابعتُ طريقي وأسراب تساؤلات تضجُّ بفكري من قبيل: ما طبيعة العلاقة المفترض قيامها بين رموز السلطة والمواطنين بشكل عام؟.

لماذا، بدل التعاون من أجل جَدْفِ سفينة الوطن نحو شطِّ التقدم والنهضة، يحذر أحدهما الآخر؟، وبدل التحاور البناء يتخاصمان، ويهدران طاقات الوطن – وفي طليعتها طاقة الزمن-  في التعنت وعمليات شد الحبل، وتبادل أشكال العنف اللفظي والجسدي؟، لماذا لا يستمع أحدهما للآخر بحسن نية، ويضعان يدا في يد ويسيران معا نحو الغد المنشود؟.

ما هو العدو الحقيقي الذي يجب على الجميع، سلطة ومواطنين، أن يحذروه ويحاربوه؟.

********************

  • المصطفى الشادلي

(الجمعة 18 فبراير 2022)