رمضان وأمراضنا البيولوجية
ما هو رمضان ؟
ما قيمتهُ وما دلالتُهُ؟. وما هي العِبرُ التي يمكنُ استخلاصُها منْ هذه الشَّعيرةِ الدينية؟
.وكيف نَجعلُ الاستفادةَ منها مُمكِنَةً
لقد ارتبطَ شهرُ رمضانَ بالعبادةِ، وارتبطَ بطقُوسٍ اجتماعيةٍ تُمارٍسُها الأقطارُ العربية والمُسلمة كلٌّ بِحسب ثقافتِهِ المَحلِّيةِ وخُصوصيَّةِ عاداتِهِ الاجتماعيَّةِ. ففي بعضِها، كمِصْرَ، تَزدهرُ خلال رمضانَ تِجارَةُ الفَوانِيسِ و«المسحراتي»، وفي موريتانيا تَنتشِرُ في بِدايات رمضانَ ظاهرةُ «شَعْرِ رمضانَ »، أو طقوسُ حَلقِ الشَّعْرِ. و في منطقةِ الخليج العربي تَنتشِرُ احتفالية «القَرْقِيعَانِ»(مشتقة من صوت قرقعة المكَسِّرات والحلويات). وفي المَغربِ يرتبطُ رمضانُ ب«النَّفِيرِ» وبشخصية «النَّفَّارِ». وفي اليَمَنِ تَستقبلُ الأُسَرُ رمضانَ بِطِلاءِ جُدران المنازلِ وتزيينها، أما في باكستانَ فيُستقبلُ رمضانُ ب«حَرْبِ البَيْضِ» أو التَّراشُق بالبَيْضِ
…المَسلوقِ
كما تَنتشرُ مدافعُ رمضانَ و مَوائدُ الرحمنِ في العديدِ من البلدانِ العربية حيث يصيرُ
.رمضان فُرصةً لإِطعام الفقراءِ والمحتاجين وعابِري السَّبيلِ
يا لها من أجْواءٍ احتفاليةٍ مُبْهِجَةٍ لولا ارتباطُها بالجوانِبِ السَّطحيَّةِ وبالقُشُورِ بَدَلَ
.!ارتِباطٍهَا بٍ «جوهر الإسلام
هل نَسْتَكْثِرُ على المسلمينَ انتشاءَهُمْ بهذه الأَجْوَاءِ الرمضانية الاستثنائيةِ والتي لا
..تَزُورُ أوطانَهم إلا مَرَّةً واحدةً في السنةِ؟
ما عاذَ اللهِ!. ليس من حَقِّ أَحَدٍ أن يَستكثِرَ على مجتمعاتنا الإسلامية، التي أنهكتها الأحزانُ، نُزُوعَهَا إلى الفَرَحِ. فمن حَقِّهَا أنْ تَجعَلَ من هذا الشَّهرِ الفضيلِ مناسبةً لإِحياء تُراثِهَا وعاداتِها، وتُباهيَ الأُمَمَ وتُذَكِّرَهَا بأنَّها كانتْ ذَاتَ مَاضٍ مَجيدٍ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للناسِ. ولا جُنَاحَ عليها أن تُفَجِّرَ مَكبوتاتِهَا التَّاريخيةَ وأن تَتَطَهَّرَ مِنَ الآثامِ الحَضاريةِ التي تُثْقِلُ لاوَعْيَهَا الجَمْعِيَّ، و تَنتَهزَ حُلولَ هذا الشهر المُباركِ بينَ ظُهرانِيْهَا لتقويَّةِ قِيَّمِ التَّضامنِ الاجتماعي والرَّوابِطِ الأُسَريةِ، وأنْ تُغالي في التقرُّبِ إلى الله وعبادته من خلال صلواتِ التراويح، وقيامِ الليلِ وصَلاةِ التَّهَجُّدِ، بعدما
..كانت طيلة السَّنَةِ تَتَقَرَّبُ إليه بِصلوَاتِ الفَرائِضِ الخَمسِ فقط
.كل هذا جميلٌ ومُفِيدٌ. لكن ما قيمةُ هذا كلِّهِ بالنسبةِ لحياةِ الإنسان العربي والمسلم؟
أليس مُهِمّاً أن نَجعل منْ رمضانَ مناسبةً لاجْتِنَاءِ فوائدَ صِحِّيَّةٍ وحَياتِيَّةٍ، تَخْدُمُ
.الإنسان في دُنْيَاهُ، إلى جَانِبِ ما فيه منْ تَقَرُّبٍ إلى اللهِ وأبْعَادٍ اجتماعيةٍ ورُوحِيَّةٍ؟
رمضانُ أكبرُ، بلا شَكٍّ، من تلك المظاهرِ المُزَخْرَفَةِ التي قد تُغَلِّفُهُ وتَطغَى على جَوْهَرِهِ. لَعَلَّهُ من أبرزِ أركان الإسلام أثرًا في حياةِ الإنسانِ: فإذا كانتِ الصلاةُ والحَجُّ يُركِّزَانِ أساسًا على الارتقاءِ الروحي والبُعْدِ الغيبي، وكانت الزكاة تُخاطِبُ الحِسَّ الاجتماعي والإنساني، فإن الصيامَ يمتازُ بأنه يُخاطبُ الإنسانَ في كيَّانْهِ المادي والبيولوجي مباشرةً، إذ يَتوجَّهُ إلى جَسدِه وغرائِزهِ ورَغباتِهِ، ليُعلِّمَهُ كيفَ
.يَضبِطُهَا لا كيف يُلغِيها وكيفَ يَعيشُ دُنياهُ سَليمًا مُعافى مُتوازِنًا وسَعيدًا
والسلامةُ والمُعافاةُ والسعادةُ والفَرحُ مفاهيمٌ مُرتبطةٌ ب «الصِّحَّةِ» ارتباطًا وثيقا، إذْ
.يَصعُبُ تَصوُّرُ تَحقُّقٍهَا الكاملِ في غِيَّابِ عَافِيَّةِ الجَسَدِ وتَوَازُنِهِ
فما الحياةُ السَّعيدةُ إلا تلك التي يَحياها الإنسانُ في كلِّ مَراحلِهِ العُمْرِيَّةِ، ولاسِيَّمَا خلالَ أرْذَلِ العُمرِ، مُعَافًى، بِدونِ مَشاكِلَ صحيَّةٍ، يُمارسُ نَشاطَهُ اليومي بِصُورةٍ
.طبيعيةٍ، مُحتفِظا بِقُوَاهُ البَدنيَّةِ والعَقليَّةِ
وعلى العكس، ما الحياة الشَّقِيَّةُ، أو العَيشةُ الضَّنَكُ، إلا أنْ يَقضِي المَرْءُ حَياتَهُ طريحَ
.الفراشِ أو مُتنقِّلا بين المِصَحَّاتِ أو عَالةً على أَهْلِهِ
:جَوهرُ الإسلام يَكمُنٌ في كَونٍهِ رَحمةً للعالمين وشِفاءً. وهو ما تُلخِّصُهُ الآيَةُ الكريمةُ
.نُنَزِّلُ منَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحمةٌ للمُؤْمِنِينَ»(1)»
إنَّ منْ أَهَمٍّ مَرامِيهِ السَّاميَّةِ بِناءَ مُجتمعاتٍ صِحيةٍ، ولذلك يُغْرِي الناسَ بالطيِّباتِ الجالِبَةِ للمنافِعِ. وخِطابُهُ فَاصِلٌ بهذا الخُصوصِ: «يَسألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ »(2). ولذلك أيضا حَرَّمَ عليهم تَناوُلَ مَوادَّ باعتبارِها أبوابًا للمهالِكِ
،سواء أكانتْ أطعِمةً كالميتةِ والمُنخَنِقَةِ ولَحمِ الخنزيرِ، أو كانتْ أَشْرِبَةً كالدَّمِ والخَمر
والتي تُلخٍّصُهَا كلمةُ «الخَبائِثِ»:« ويُحِلُّ لَهٌمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ»(3)
فما الطيباتُ إلا كلُّ ما يَنفعُ الجسمَ البَشَرِيَّ ويُقويهِ ويَمنَحُهُ مَنَعَةً ضِدَّ الأمراضِ من
.مّأكولاتٍ ومَشرُوباتٍ
.وما الخَبائِثُ إلا كلُّ ما يَضُرُّ بالجِسم ويُخرِّبُ الصحة من أطعمةٍ وأشْرِبَة
لكنَّ الحُدُودَ بينَ الطيِّباتِ والخبائِثِ في عَصْرِنا – عصرَ الوَفْرَةِ الغذائية- ليستْ وَاضِحَةً، بل إن المَسافةَ بينَ الحَلالِ والحَرَامِ، بالمَعنَى الأخلاقي والديني، آخِذةٌ في التَّقَلُّصِ: ألا تُستعملُ مَوادُّ مُشتقةٌ منْ لُحُومِ الخَنازيرِ، مثل «الجيلاتين»، في صِناعةِ موادِّ غذائيةٍ ك (الحلويات، الزبادي، النقانق..)، وكذلك في صناعةِ موادِّ دَوائيةٍ
..ك(كَبْسُولاتِ الأدوِيةِ وبَعْضِ أنْواعِ الأنسولينِ)؟
وهذا يعني أن شَهيةَ الإنسان لا ينبغي أنْ تَظَلَّ مُطلقةً بلا حُدودٍ، لأنَّ كثيرًا مِمَّا نُسمِّيهِ نِعَمًا في زَماننا هو في الحقيقة نِعَمٌ مُزيَّفةٌ، إذْ يَجلُبُ الوَيلاتَ على المُستهلكين، فَيصدُقُ عليه المَثلُ القائلُ: كَمْ منْ نِعْمةٍ في طَيِّهَا نِقْمةٌ. فليسَ كلُّ ما
.يَلمَعُ في عَالَمِ المأكولات والمشروبات ذَهَبًا
وبما أن شرائعَ الإسلام مَرِنَةٌ، صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإنهُ منَ المَشروع تَكْيِيفُ فَهمِهَا وتَنْزِيلُهَا بِما يُراعِي مَا اسْتجدَّ في عَصرنا منْ قَضايَا و مُعطيَاتٍ حَياتِيَّةٍ. ومن هنا أمكن لنا توسيعُ نِطاقِ المُحرَّماتِ في مَجال التغذية المعاصرة طِبْقًا لِمقياس:«كل
.ما يَضُرُّ بالصحة فهو حَرامٌ»، و« كل ما يَنفعُها فهو حَلالٌ»
:ورمضان ليسَ مناسبةً عابرةً، بل هو مَدرسةٌ حياتيةٌ ذاتُ فوائِدَ مُتَعَدِّدَةٍ
فيها يُمكن للإنسانِ أن يَكتَسِبَ عَادةَ تَقيِيمِ مَجالاتِ تَغذِيتهِ، وفيها يَتَدَرَّبُ على غَرْبَلَةِ المأكولاتِ والمَشروباتِ لِاستخلاصِ أطيَبِهَا وأجْوَدِهَا وأَنفَعِهَا لِصِحَّتِه. وفيها يَتَعَلَّمُ فَنَّ التَّحَكُّمِ في الكَمِّيَّةِ الغَذائية المُفيدَةِ الواجِبُ استهلاكُهَا مَدَى الحَيَاةِ، لتفادي شُرُورِ
..الأَمْرَاضِ
.لكن، هل مَصدَرُ الأمرَاضِ مُقتصِرٌ على مَا نأكُلُهُ ونَشربُهُ فَحَسْبُ؟
كلا. هناك مصدرٌ ثَالِثٌ مُهمٌّ هو «ما نَستنْشِقُهُ». وهو بِدَوْرِهِ خاضِعٌ لمقياسِيْ «الطيب والحلال» و«الخبيث والحرام»: فهواء البوادي ليس كهواء المُدنِ الصِّناعيةِ. والروائحُ المنبعثةُ من الوُرودِ ليستْ كالروائحِ المنبعثةِ من مَطارِحِ
..النِّفايَات
وحينَ نتأمل واقع الحال، ونَتَدَبَّرُ نَوعيَّةَ الأغذيةِ والأشربةِ التي نَستَهلكُها، وطبيعةَ الهواءِ الذي نَستنشِقُهُ، والإحصائيات المتعلقةَ بأعْدادِ الإصاباتِ بالأمراضِ العاديةِ والخَبيثةِ في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وفي العالم بشكلٍ عامٍّ، لا يَسعُنا إلا أنْ
.نَضعَ أيْدِينَا على قُلوبِنا خَوفًا على مَصيرِ النَّوع البشري
ومنْ هذا المنظور بِوُسْعِنَا القَوْلُ إنَّ مَصْدَرَ كُلَّ الأمْراضِ البيُولوجِيَّةِ ما نَأكُلُهُ وما
:نَشْرَبُهُ وما نَستَنْشِقُهُ
فمنْ ناحيةٍ أُولى، إن الكثيرَ منَ المأكولاتِ المُعاصرة، سَواءً ذاتُ مَصدَرٍ حَيوانيٍّ أو ذاتُ مَصدَرٍ نباتيٍّ، تَحملُ بينَ طِيَّاتها مُسببات الأمراض إما لأنها صناعيةٌ مُفعَمَةٌ بالمضافاتِ والمنكِّهاتِ والملَوِّنَاتِ، وإما لِأنها خاليةٌ منَ الأَلْيَافِ، وإمَّا لأنها مُحضَّرَةٌ من خُضَرٍ ومزروعاتٍ معالجَةٍ بالأدْوية الكيماويَّةِ، وإما لأنَّها مُعَدَّلَةٌ جِينِيًّا، أو لأنها
..غُيرُ مَوْسِمِيَّةٍ
..منْ هنا يُمكِنُ تَفْسِيرُ الكثيرِ منَ الأمراضِ المَعِدِيَّةِ والخَلَلِ الهُرموني والسُّمْنَةِ والأمراضِ المناعِيَّةِ وأنواعِ السَّرطانات والسُّكَّري والكوليسترول وارتفاعَ الضَّغْطِ
ومن ناحية ثانية، إنَّ كثيرًا مما نَشْرَبُهُ إمَّا مَاءُ صَنابيرَ، معالجٌ بِمُطهِّرات «الكلور»، أو ماءُ آبارٍ وأوديةٍ مُلَوَّثٌ بالسُّمُومِ المُتسَرِّبَةِ من نِفاياتِ المصانِعِ، وحتى المياهُ المعدنيَّةُ التي تُعتبرُ مِيَّاهًا صِحيَّةً بامتيَّازٍ إنَّمَا تُعَبَّأُ في قِنِّينَاتٍ بلاستيكيةٍ
.عُرْضَةٍ لِتأثِيرِ الحَرارةِ والبُرُودَةِ، وصَلاحيتُهَا مُحَدَّدَةٌ بِأَجَلٍ
وأمَّا المشروباتُ الصناعيةُ، سواء كانتْ مشروباتِ طَاقَةٍ وعَصائِرَ، أو مشروباتٍ رُوحيةً وكحوليةً، أو مشروباتٍ غازيةً، فهي مُلَوَّثَةٌ، تَماما كما هي الموادُّ الغذائيةُ الصناعيَّةُ، بالموادِّ الكيماويةِ والمُضافاتِ والموادِّ الحَافِظةِ. والأخطرُ أنَّ حتى هذه المشروبات الشعبية التي نَعُدُّهَا طبيعيةً، والتي نُدْمِنُ شَربَهَا صباحًا ومَساءً، مثل
..الشاي والقهوة، لم تَسلَمْ منَ السُّمُومِ، والمُضافاتِ
ومن هنا أيضا يمكن تفسيرُ سببِ انتشارِ السُّمنَة، وأمراضِ القلبِ، والكبِدِ الدُّهْنِيِّ
..والسُّكَّرِي
ومن ناحية ثالثة، إنَّ ما نَسْتَنْشِقُهُ اليومَ لا يَقِلُّ خُطورةً وخَبَثًا عما نَأكلُهُ ونَشرَبُهُ، إذْ نَعيشُ في بيئاتٍ مُطوَّقةٍ بأدخنةٍ سامَّةٍ تنبعثُ منْ وسائل النقلِ المختلفة، كالطائرات والسُّفُنِ والقِطارات والسِّياراتِ والدَّرَّاجاتِ النَّاريَّةِ، أو منْ مداخن المصانع. كما أننا نَتَنَقَّلُ يوميًّا بينَ شوارع تعُجُّ بروائح النِّفاياتِ والمخلَّفَاتِ المنزلية ومَجاري الصَّرْفِ
..الصِّحي
ومن هنا نفهم أسابَ أمراضِ الربْوِ وسَرطان الرئةِ والتهاباتِ الجِهازِ التَّنَفُّسِيِّ
.وأمراضَ المناعةِ الذاتيةِ وأمْراضَ القَلبِ والأوْعيَّةِ الدَّمويَّةِ (4)
فإذا استحضرنا كل هذه المصائب فَهِمْنَا أسبابَ تَزَايُدِ الأمراض ذات المصادرِ المتعَدِّدَةِ، وأدْرَكنا بالتالي، بما لا يدعُ مَجالا للشَّكِّ أوِ التَّأْوِيلِ، قِيمَةَ الصَّوْمِ ودَوْرَهُ
.ي حِماية الأجسام منْ كُلِّ ما يَضُرُّهَا
.إن الصومَ هو بالفعل، كما قال الرسولُ (ص) «جُنُّةٌ»، «الصيام جُنَّةٌ»(5)
مدرسةٌ لِتَنْقِيَّةِ النَّفْسِ والجَسدِ، وضَبطِ الشَّهِيَّةِ، والحِفاظ على الصِّحَّةِ في جَميعِ
.أبْعَادِهَا
وفي العصر الحديث تَزدادُ حاجةُ الإنسانِ إلى الصَّوْمِ أكثر من حاجتهِ إليه في
:العصورِ القديمة. وذلك لِعِدَّةِ اعتبارات
أولها- إنّ وفْرَةَ المواد الغذائية لم تَكنْ مُتاحَةً في المجتمعات الإسلامية كما هي عليه اليوم. لم تكن مصانعٌ تُمْطِرُ الأسواقَ بموادِّ غذائيةٍ ومشروباتٍ، ولم يكنْ هنالكَ استخدامٌ للمواد الكيماوية في معالجة أو تَطهِيرِ أو زيادةِ كميَّةِ المنتوجاتِ عدَا بعض
.المواد الطبيعيةِ كَرَوْثِ البهائمِ،ِ الذي هو مادة طبيعيةٌ في كلِّ الأحوالِ
ثانيها- لم يكن هنالك وجودٌ لمؤسسات إعلانيَّةٍ أو وسائلِ إعلامٍ، سَواءٌ كانتْ سَمْعِيَّةً أو مَرْئيَّةً، قد تتحكَّمُ في وَعْيِ الناس، وتُوجِّهُهُمْ بِطريقةٍ غيرِ واعيةٍ نَحوَ الاقتِناءِ
.والاسْتهلاكِ المُفرِطِ
ثالثها- لم يكنِ العَالَمُ القديمُ قرية ًصَغِيرَةً، كما هو الحَالُ في عَصْرِنا الحالِي، الذي يَستحِقُّ بِحَقٍّ أنْ يُسمَّى «عَصْرَ العَوْلَمَةِ»، حيثُ تَقلَّصَتِ المسافاتُ بَيْنَ البلدانِ والشعُوبِ. لذلك، لم تكنِ الأمراضُ والأوبئةُ في الماضي سَريعَةَ الانْتِشَارِ. ولمْ تَكُنِ
.العَدْوَى تَنْتَقِلُ بينَ الناسِ في زَمَنٍ قِيَّاسِيٍّ
ولذلك صارَ الصَّوْمُ في عَصرِنَا ضَرُورةً حَياتِيَّةً و أَفْضلَ العِبادات التي تَحمي
:النفسَ والجسدَ معًا
أولا- لأنَّهُ حِمَايَةٌ لِلْحَيَاةِ التي مَنَحَهَا اللهُ للإنسان، فَصارتْ هذه الحياةُ بمثابةِ أمانةٍ مُقدًّسَةٍ مُلقاةٍ على عَاتقِهِ. ولا شكَّ أنَّ تَقديسَ الصِّحةِ البدنيةِ والنَّفْسِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، وتَحْصِينَها منَ الخَبائِثِ بِشَتَّى أنْوَاعِهَا ومَصادِرِهَا، عِبَادَةٌ رَاقِيَّةٌ، لأنَّهَا تَخدِمُ حَياةَ الناسِ الدُّنيويَّةً أساسًا وتساهِمُ في دَيْمُومَةِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ مِنْ أجْلِ عبادةِ الخَالِقِ
.وعِمَارَةِ الكَوْنِ
ومن هنا يُفْهَمُ سِرُّ مُطالبةِ الناسِ بالالتزام بما أوصاهُم الله به في هذا الخُصوصِ، كما جَاء في قَولِهِ تَعالى: « ولا تُلقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ»(6)، أي تَجَنُّبُ التهوُّرِ والإفراطِ في الأكلِ والشُّرْبِ، وانتقَاءُ المأكولات والمشروبات الطبيعيةِ الصالحةِ، والابتعادُ عنِ المواد الحافظةِ الضَّارَّةِ، وكذلك تَجنُّبُ العَيشِ في بَيْئاتٍ مُلوَّثَةٍ تَفتقِرُ
.إلى جَودةِ المَاء والهواءِ
ثانيا- لأنَّ الصومَ يحمي الأجسامَ منَ التَّشَوُّهَاتِ الخَلْقِيَّةِ، أي أنُّه يُؤدِّي وظيفةً جماليةً
.تَخدمُ الصحةَ البدنيةَ
ف«الله جميلٌ يُحبُّ الجَمالَ»(7). والجمالُ لا يظهرُ فقط في المشاهدِ الطبيعية الخاليةِ من التلوُّثِ والقَذارَةِ واللا تَنسِيقِ، بل يتجلى أيضا في الوُجُوهِ النيِّرَةِ، واَلبشَراتِ النَّضِرَةِ، والأجسامِ المتناسِقةِ الأعضاءِ. وباختصارٍ، يَتجلَّى في الأجسام
.الصحية الحَيَّةِ، الخاليةِ من أعْرَاضِ الذُّبُولِ والشُّحُوبِ والتَّرَهُّلِ والبَدَانَةِ
وكلما حَرِصَ الإنسان على اجتناب الأطعمة والأشربةِ الخَبيثةِ حافظَ على شبابِ جِسمهِ وحَماهُ منَ السُّمومِ التي تُسَبِّبُ شَيخوخَةَ البَشَرَةِ وظهورَ التَّجاعيدِ والجَفَافِ والتَّرهُّلِ: أليستِ الأطعمة ُالمَقليَّةُ في الزُّيُوتِ المُهدْرَجَةِ والمشروباتُ الغَازيةُ من
.أَهَمٍّ أَسْبَابِ الشَّيخُوخَةِ الجِسْمِيَّةِ المُبَكِّرَةِ؟
:ثالثا- الصيام حمايةٌ للحواسِّ بالمعنى الطِّبِّيِّ لا الأخلاقِيِّ
الجَديرُ بالذِّكْرِ أن الكثيرَ منَ الفُقهَاءِ يُرَكِّزُوَن على علاقَةِ الصَّومِ بالحَوَاسِّ منَ مَنظورٍ أخلاقيٍّ ضًيِّقٍ مُردِّدِينَ المقولة المعروفة: «إذا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ
.وبَصَرُكَ ولِسَانُكَ عنَ المَحَارِمِ»(8)
وكأنَّ الوظيفةَ الأساسيةَ للصيامِ تَنْحَصِرُ في صِيانةِ العَيْنِ عن مشاهدةِ العَوْرَاتِ، وصيانةِ الأُذُنِ عنْ سَماعِ كُلِّ مَكروهٍ منَ الكلامِ والغِنَاءِ، في حينِ يَغْفِلُونَ، عنْ قَصدٍ أوْ غَيْرِ قَصْدٍ، الحديثَ عنِ العلاقاتِ العَميقَةِ التي تَربِطُ الصَّوْمَ بهذه الحَوَاسِّ، وهي
.علاقات مُهِمَّةٌ كَشفتْ عنها الدِّراساتُ العلميَّةُ الحَديث
فالله «الجميلُ» «المُنْعِمُ» لا بُدَّ أن يُحِبَّ مُشاهدَةَ آثارِ جَمالِهِ و نِعَمِهِ على عِبادِهِ: يُحبُّ الله أنْ يَكونَ الإنسانِ – إلى جانِبِ ما يَملِكُهُ من قُدُرَاتٍ بَدنيَّةٍ- مُتَمَتِّعًا بحواسٍّ سَليمةٍ وقويةٍ، حَواسٍّ بَصريَّةٍ تُمكِّنُهُ منَ الاستمتاع بِجمَال لَوحَةِ الكَوْنِ ورَوعَةِ المَخلوقَاتِ، منْ نَباتٍ وحَيوانٍ وجَمادٍ، وتُمكِّنُهُ كذلك منْ قِراءَةِ آيَاتِ الكَوْنِ، والتَّأَمُّلِ
.فِيهَا
كمَا يُحِبُّ أنْ تَكُونَ لَه حَواسٌّ سَمعِيَّةٌ قَويَّةٌ يَتلقَّى بها الخِطَابَ، ويَستمتِعُ بالأصواتِ الحَسَنَةِ وبِأنغَامِ الطبيعَةِ، وأنْ تَكونَ له حَاسَّةُ شَمٍّ سَليمَةٌ تُميِّزُ بينَ الروائِحِ المُختلِفَةِ. وبِمَا أنَّ الله لم يَخْلُقْ هذه الحَواسَّ عَبَثًا فقدْ شَرَّعَ الصَّوْمَ لِيَكوُنَ وَسِيلةً
:لِتَقْوِيَّتِهَا وَشَحْذِهَا
فالثابِتُ عِلْمِيًّا أنَّ الصوم يُقَوِّي النَّظَرَ ويُعَزِّزُ صِحَّةَ العَيْنَيْنِ، ويُقَلِّلُ منَ الإِجْهَادِ التَّأكْسُدِي والالَتِهَابَاتِ، ويُحَفِّزُ تَنْظِيفَ الخَلايَا التَّالِفَةِ -الالتهابَ الذَّاتِيَ- مِمَّا قدْ يَقِي منْ أمراضٍ مثل الضُّمُورٍ البُقَعِيِّ وإعتامِ عَدَسَةِ العَيْنِ، وتحسينَ مُستوى السُّكَّرِ في
.الدم مما يَقِي العينينِ منْ خَطَرِ اعْتِلاَلِ الشَّبَكِيَّةِ السُّكَّرِيِّ(9)
والثابتُ عِلميًّا أيضا أن الصومَ يُؤثِّرُ إيجابِيًّا على حاسَّةِ السَّمْعِ، إذ يُحَسِّنُ الوظائِفَ الإدرَاكِيَّةَ، ويُقَلِّلُ الالتهابَاتِ، ويُساعِدُ على تَحْسينِ صحةِ الأوعِيَّةِ الدَّمَوِيَّةِ، ممَّا يُفِيدُ
:الدَّورَةَ الدَّمويَّةَ في الأذُنِ الدَّاخِليَّةِ
« فمن ضمنِ الأمراضِ التي لم يَتوصَّلِ العِلمُ لِعلاجٍ شَافٍ لها، هو مَرضُ الأذْنِ المُزْمِنِ مَنْيِيرِ(Maladie de Ménière)، الذي يُصِيبُ الأذْنَ الداخليةَ، ويُسبِّبُ ضَعفًا في السَّمعِ، وخَلَلاً في التَّوازُنِ، وقد وُجِدَ أنَّ منْ أحَدِ مُسَبِّبَاتِهِ المُحتملةِ نَقْصٌ في تَحَسُّسِ الخَلايَا لاستِقْبَالِ هُرْمُونِ الانْسُولينِ بِسَبَبِ اضطرابٍ في الوَظائِفِ المَناعيَّةِ. وقد أُثْبِتَ عِلْمِيًّا أنَّ الصَّوْمَ يُحَفِّزُ الخَلايا لِزيادَةِ مُستقبلاتِ الانسولينِ وتَحَسُّنِ أَيْضِ الجلُوكُوزِ في الخَليَّةِ ممَّا قدْ يَكُونُ أحَدَ الطُّرُقِ العِلاجِيَّةِ لِمَرَضِ
.مَنييرِ»(10)
:ومنَ المُؤَكَّدِ عِلمِيًّا أيضًا أنَّ الصَّوْمَ يُؤثِّرُ إِيجَابِيًّا على حَاسَّةِ الشَّمِّ
فمما لا شكَّ فيه أنَّ خلال أوقاتِ الصوم تَزدادُ حَساسِيَّةُ الأنْفِ للرّوائِحِ. وهذه ظاهرة يُحسُّ بها الصائِمون بشكلٍ عَامٍّ. بل إنَّ الصومَ يُساعِدُ على عِلاج الأمراضِ المُتّصِلَةِ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، حيثُ تأَكَّدَ أنَّ « هناكَ حالاتٍ تَمَّ لهَا الشِّفَاءُ منْ مَرضِ العَصرِ ألا وهو
.حَساسِيَّةُ الأَنْفِ بَعدَ فَترَاتِ صِيّامٍ»(11)
وأخيرًا وليس آخِرًا إنَّ التأثيرَ الإيجابيَّ للصيام يَتَعدَّى أعْضَاءَ الجَسَدِ والحَواسِّ إلى الدِّمَاغِ. وحَسْبُنَا مَا قالَهُ جَرَّاحُ الأعْصَابِ « د. راهول جنديال »(وفقا لمقال في موقع
: « هيلث »(Health)
إن الصَّوْمَ المُتَقَطِّعَ مُفِيدٌ جِدًّا للدِّمَاغِ. إنَّ الجُوعَ المُتَقَطِّعَ يُنَقِّي العَقْلَ ويُوقِظُ الحَوَاسَّ
ويُحَسِّنُ وظَائِفَ المُخِّ»(12)
فما أعظمَ الصيامَ!. إنهُ شِفَاءٌ ورَحمَةٌ ونِعْمَةٌ. ومَهْمَا حَاوَلْنَا عَدَّ فَوائِدِهِ الصِّحيةِ فلنْ
.!نُحْصِيهَا
*************************
هوامش
-1
،82الإسراء
-2
4- المائدة
3-
157الأعرف
-4
لقد أفاض علماء ومتخصصون كثر في مجال علم التغذية في شرح علاقة
الأمراض بمجالات الأكل والشرب والشم..نذكر على سبيل المثال لا الحصر، د.محمد الفايد، ود. إريك بيرج .. فللتوسع يمكن العودة إلى محاضراتهم المتنوعة
.بهذا الخصوص
-5
صحيح البخاري- دار الفكر – الطبعة الأولى 2000م، الجزء الأول، كتاب
.448الصوم، ص
6-
البقرة، 195
7-
أنظر صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي
.73بيروت، الطبعة الأولى 1955، الجزء الأول، ص
8-
. إسلام ويب (islamweb.net) أنظر مثلا موقع
،وكذلك مقال »صوم السمع ل »فايز النوبي
«islamsyria.com»(رابطة العلماء السوريين)موقع
9-
أنظر مقال: » كيف يؤثر الصيام على صحة العينين »
موقع«BARRAQUER.COM»
10-
أنظر مقال » الصوم ومرض الأنف والأذن والحنجرة (22أغسطس 2010)، موقع «al-madina.com».
11-
نفسه، موقع « al-madina.com».
12-
انظر مقال: «هذا ما يحدث لدماغ الصائم في رمضان» ل « د. أسامة ابو الرب » «aljazeera.net»موقع
