هلْ سَمِعَ الشَّرْقُ همسةَ عَنْدَلِيبِهِ؟
«حاول تفتكرني »…
هي العبارة الاستعطافية التي تملأ فضاء السمع وتهز أعطاف الوجدان كلما أطل الربيع من بين أشجار الحزن الباسقة على أهل الفن ومتذوقي الطرب الرفيع والأصيل من أبناء الوطن العربي الكبير.
إنها الهمسة الجريحة التي يبثها في مثل هذه الأيام الربيعية من كل سنة، بصوت جهير وعذب، ذلك الذي عاهد عشاقه على « ألا ينسى أحبابه، أعز الناس » وإن أبعدته عساكر الغربة واقتادته عنوة إلى منافي الغياب الأبدي، ليخلد إلى صمت قسري قبل الأوان.
« حاول تفتكرني »، هي المقابل البسيط، بله أعز ما يطلبه ذلك الذي قدَّم لأمته « ثراء فنيا » لا حدود له، ظل يعتصره من دَوالي آلامه في حديقة الفن المطوقة بسياجي الصدق والإخلاص الفنيين لمدة ربع قرن، و »حلف بسماها » أن يضمد جراحاتها بمنديل معاناته، وأن يحول هزائمها إلى انتصارات مؤمنا بأن الخسران المبين في معترك الصراع الحضاري هو خسران «الأصالة» و«الصدق» الإبداعيين.
فلا شك أن هذا النوع من الخسران هو الهزيمة الحقيقية. بل هو الهزيمة الحضارية التي لا يمكن لأي ربح تكنولوجي أو عسكري أن يمحو عارها عن جبين الأمة العربية- إذا ما قدر لها أن تبتلى بها يوما- فالربح المادي لا يمكن أن يكون عوضا عن الخسارة المعنوية أو الحضارية مهما عظمت قيمته.
« حاول تفتكرني »، هي الوجه الآخر للوفاء. نغمة حزينة يبثها من وراء قضبان البعد صوت عندليب أسمر أبى إلا أن يعتزل موكب الأفراح الوهمية، وأن يتسلل في عز ليل الانحطاط العربي الطويل إلى طريق الإبداع الجاد، حيث بات يتلمس مواضع قدميه بمنتهى الدقة والحذر، لا يثنيه عن مواصلة المسير ما تقذفه رياح الزمن أمامه من أشواك وما تلقيه الأعاصير من عراقيل في طريقه، وكله أمل في بلوغ جزيرة إبداع « أبعد من خيال، لم ترها عين ولم تخطر ببال »، مفعمة بالنور.. والحب..والحلم..والأمل..
«افتكرني حاول ..حاول..»، التماس طفولي مفعم بالحنان والبراءة، منطلق كالصدى من خلف جبال القرن ومتوجه نحو هؤلاء العشاق والمستمعين، حتى يظلوا محافظين على العهد القديم، ممسكين بعروة الطرب الخالص، التي فتلتها أصابع الإتقان والجدية، وحتى لا ينجرفوا وراء تيارات الطرب الملوثة والعابرة.
أما هو، ذلك الملتمس النحيل فقد أقسم، وفاء لعشاقه، أن يظل ثابتا على العهد على الدوام، وأن يكتفي بالتحاف عذاباته، خلال ليالي البعد الماطرة والقاسية، وأن يظل جنديا مجهولا، مواظبا على تطهير الفن العربي من شوائب الانحلال، مثابرا على توشيح صدر أمته العربية بأوسمة أمجاد مصنوعة من خيوط آلامه، وتمهيد السبيل لقدوم ذلك الربيع العربي المنشود، عسى أن يأتي بعد طول انتظار، ليزرع الأمل في أوطان هذه الأمة العربية، المترعة بأشواك اليأس والمآسي، والمطوقة بالأحزان، ويضخ دماء الحياة في شرايين شعوبها لكي تنهض من جديد.
لكن أي ربيع؟. فللربيع أحواله ومقاماته وأناسه. فقد يظهر في أكثر من هيئة ويتلون بألوان نفسيات مستقبليه. كما أنه يقبل من أكثر من موقع زمني: فقد يكتسي لون الإخضرار الزاهي حين يقبل على أهل الفن الشعري من أفق المستقبل، حيث يبسط أمام أنظارهم أفرشة الجمال، فتتفجر بدواخلهم ينابيع القول، وتسافر أفكارهم إلى رياض الورود والأزهار..لحظتها تأسر الألوان الزاهية والرياحين العطرة ألبابهم، وتصرف نفوسهم عن آلام الذات ولواعج التذكر الداخلية.
لكن، هذا الصنف الربيعي ليس هو الربيع الذي يقبل على أهل الطرب والفن عموما، من مغنين وموسيقيين وملحنين ونقاد الفن في الثلاثين من آذار كل سنة. فهو ربيع متفرد في لونه ودلالته..
إنه ربيع 1977، الذي يطل عليهم بلون الحداد القاتم من أفق الماضي القريب. وإذن فهو لا يبسط أمام أنظارهم مشاهد الإبداع بقدر ما يوقظ في وجداناتهم شجون الذكرى ولسان حاله يردد بحسرة:
« ستقبل عليكم نماذج ربيعية في مثل هذا الوقت من كل عام وهي النماذج المرتبطة بالدورة الزمنية الرتيبة. بيد أن ربيع الفن الحقيقي أقسم ألا يعود إليكم أبدا. لقد اختفت مباهجه وحال لونه وتبددت رياحينه مع رحيل شمس 30 آذار1977!.
وفي الحقيقة إذا كان « الربيع » يظهر ويختفي منذ ذلك التاريخ الحزين، فما ذلك سوى « حركة اعتماد » في إطار الثبات، أو دورة زمنية ميكانيكية متحركة على سكة العبث، لتأكيد استمرارية وهمية ليس إلا. لأنه في أصله ربيع الطبيعة المرتبط بالزمن الطبيعي..
أما ربيع الأغنية العربية، فقد كف عن الإزهار يوم ذبلت صدحة « من غير ليه » بين شفتي عندليبه. وأما زمن الفن الجميل، فقد توقف مسيره حين أوقفت إذاعة لندن برامجها لتهمس في أذن الشرق بألم: « أيها الشرق الثاكل تجلد، فلن يغرد عندليبك الأسمر بعد اليوم! ».
إنه النعي الذي أعلن به رسميا تعثر- بل توقف- قافلة الغناء العربي عند مشارف مرحلة حاسمة، تعتبر قمة الفن العربي بكل المقاييس. ويأتي عام 1977 مفترق طرق وخطا فاصلا بين عصرين وجيلين:
عصر طرب عربي «هجين» آخذ في التمدد: فهو الذي بدأ مباشرة بعد أفول نجوم العمالقة، ويمكن وصفه أيضا ب«عصر الانحطاط العربي الجديد» على صعيد الغناء. ومن أبرز خصوصياته: الخروج على قواعد الكلاسيكية الفنية شكلا ومضمونا.
وعصر طرب عربي أصيل: يمكن وسمه ب«الذهبي»، لما ضمه بين جناحيه من قمم صوتية شامخة، كشفت للقاصي والداني من الأمم عن وجود ثقافة عربية متميزة، على مستويات الطبقات الصوتية، والتشكيلات اللحنية، والإيقاعات الموسيقية، وأماطت اللثام عن وجود طاقات إبداعية هائلة في كنف العروبة، يحقُّ للشرق أن يتباهى بها ويفتخر، في معرض التفاخر بين الحضارات والأمم، بدءا ب « عبده الحامولي »، مرورا بأم كلثوم، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، رياض السنباطي.. وانتهاء بعبد الحليم حافظ.
ويمكن تلخيص ملامح الأصالة التي يقوم عليها الطرب العربي خلال ذلك العصر الذهبي الذي ينتمي إليه عبد الحليم حافظ في العناصر الرئيسية التالية: الصرامة في اختيار الكلمات، والتنافس على أداء المطولات الغنائية، والاشتمال بالوقار في الأداء، والالتزام باحترام أذواق الجماهير العربية والاستجابة لآفاق انتظارهم، والاشتغال ضمن نظام « المدارس » على صعيد التلحين.
أولا- اختيار الكلمات:
إن سر نجاح عبد الحليم حافظ يكمن، بدون شك، في احترامه لفنه، وَعيًا منه بأن على الفنان أن يكون البادئ باحترام الفن قبل مطالبة الجمهور بذلك. ومن مظاهر ذلك الاحترام، الحرص على انتقاء « كلمات الأغنية »، لما لها من قيمة في تحديد شخصية الفنان وبنائها من جهة، وما لها من قوة سحرية على توثيق عُرى التواصل الحميمي بين المطرب والجمهور من جهة ثانية.
ولعل التحفظ الذي كان العندليب يبديه بخصوص ما يُعرض عليه من بعض القصائد، ولاسيما من طرف « الموجي »، لخير دليل على جديته وصرامته. ذلك أن امتلاك مطرب ما للصوت الجميل لا يسوغ له « الشقشقة » دون ضوابط فنية، وترديد الكلام النابي والساقط، المنفِّر لأذواق الجماهير. وليس بدعا أن يطارد « نزار قباني » في كل مكان من أجل التشاور بخصوص إعادة صياغة العديد من مقاطع قصيدة « قارئة الفنجان »، وذلك لتتماشى والمنظور الذي رسمه للعلاقة التي ينبغي أن تربطه بمستمعيه: إذ لا يعقل، في نظره، أن يَصدم أفق انتظار أوفيائه، أوأن يزفَّ إلى أسماعهم عبارات نابية من قبيل «والقصر تحرسه كلاب وجنود»، كتتمة ل«فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود».
إن هذا التقليد الجميل هو ما لم يعد « مطربو الحداثة » قادرين على اتباعه في الثلث الأخير من القرن العشرين. ذلك أن التهافت على تكديس الثروات قادَهم إلى البحث عن أسهل طريقة لتحقيق الربح السريع، فكانت « لغة الشارع » الخام جالبة لنفوسهم الميالة إلى الاستهلاك السريع. ولا غرابة أن يهمشوا كل ما هو سام ونبيل، أي كل ما يرتبط بالقيم الفنية العالية. وبلغة « ميخائيل نعيمة »، لقد تخلوا عن سُنة استعمال »الغربال » في ميدان التعامل مع الكلمة الغنائية، فكان أن امتلأت قوالب ألحانهم بمقاطع وكلمات خالية من الدلالة. فصارت الأغنية الحديثة، نتيجة لذلك، خليطا من الغثِّ والسمين، يتعانق في تراكيبها اللفظ الشريف والعبارة الوضيعة وتتجاور في تضاعيفها التعابير الأعجمية والعربية.
ثانيا- المراوحة بين نمط الأغاني المطولة ونمط الأغاني القصار:
إن أداء القصائد الغنائية الطوال لا يعني ملء الفراغ الزمني بسفساف القول، ولا إغراقه بفوضى الألحان وجلبة الأنغام كما قد يتوهم أنصار الأغنية القصيرة. كما أن العدول عنه إلى القصائد القصار لا يقود بالضرورة إلى كسب رضا الجمهور ولا يضمن جودة الألحان وسمو الأنغام!. فالعبرة في النهاية بصدق التجربة وجمال الصياغة الفنية.
كما أن معيار الجودة لا يقاس بطول الأغنية أو قصرها، بل بطبيعة لغتها، وبحسن تشييد أنساقها اللحنية والموسيقية، وبما تحمله من مضامين قادرة على التأثير والإيحاء. هذا ما أكده الموسيقار الكبير « رياض السنباطي » في سياق حديثه عن الأغنية المصرية، إذ يقول: » الأغنية(..) المهم فيها هو جودتها وجمالها لحنا وإتقانا ودراسة للكلمة والمعنى.. وليس المهم أن تكون قصيرة أو طويلة. وربما تجد أغنية قصيرة تستغرق دقائق، ومع ذلك فهي جميلة ومكتملة فنيا فترضي الجمهور، وربما أيضا تكون هناك أغنية طويلة ولكنها كلام فارغ وأداء ضعيف..وبرغم ذلك أعتقد أن هناك في الموسيقى العربية أغاني طويلة خالدة »(1).
ولا جدال في أن جيل الرواد قد أدى هذا النوع الأخير من الأغاني بنجاح واقتدار فائقين. وإذا كانت أم كلثوم- سواء مع رياض السنباطي أو مع محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي وسيد مكاوي- قد اشتهرت بأداء هذا النوع من الأغاني الطويلة، واستطاعت كسب إعجاب الجماهير العربية ونيل رضاها وبالتالي حملها على مداومة الاستماع لمطولاتها الغنائية بلهفة وحماس متجددين، فإن « العندليب الراحل » واصل بدوره السير على هذا الدرب الغنائي نفسه، بأدائه لمطولات رائعة مثل،«نبتدي منين الحكاية»، « حاول تفتكرني »، « فاتت جنبنا »، « زي الهوى »، « موعود » و«قارئة الفنجان» وغيرها من الروائع الطويلة، مؤكدا قدرته على أسر ألباب مستمعيه طيلة المدة التي يستغرقها الأداء.
غير أن تمرد الملحنين والمطربين الجدد على هذا النموذج الغنائي القديم بحجة تجنيب المستمع آفة الملل أو مسايرة إيقاع الحياة المعاصرة، السريع، لم ينزلهم منزلة القدماء في قلوب أجيال المستمعين العرب، ولاسيما الشباب، إذ لا تزال تلك « الروائع الكلاسيكية » تحظى بإقبال واسع وتستأثر بأذواقهم في سوق السماع.
فمن الخطأ اتخاذ « الزمن » مقياسا للحكم على جودة أو رداءة أغنية ما. إن « الطول » ليس مرادفا للثقل أو باعثا حتميا على الملل. وهذا ما يلاحظ بخصوص رائعة « قارئة الفنجان » مثلا. فهي طويلة لكنها ذات تركيبة موسيقية متدرجة على سلم الجمال، ومتنوعة على مستوى الألحان، بحيث نحس منذ البداية بتوالي المقامات الموسيقية في أشكال نغمية مختلفة. وإيقاعها الجميل يسحر القلب والسمع مع تتابع مقاطع المقدمة الموسيقية. كما أن الألوان الموسيقية المتنوعة لا تني تتخلل اللوحات الصوتية المتعاقبة.
كما أن « القصر » في حد ذاته ليس سبيلا مشروعا إلى نجاح الأغنية، وليس خير وسيلة لكسب أذواق الجماهير، وليس معيارا للنجاح والطربية وضمان المتعة الجمالية. بل ليس هناك ما هو أثقل على السمع والقلب معا من أغنية قصيرة ما إذا كانت خالية من الصدق الفني، وجودة الأداء وجمال الكلمة والموسيقى واللحن.
إن سر خلود القصيدة الغنائية يكمن في ذلك التكامل الدقيق بين الصوت والكلمة واللحن والإيقاع، وهو تكامل افتقده كثير من القصائد الغنائية الحديثة فكان مصيرها أن تخبو سريعا بعد بروزها، كفقاقيع تعلو لحظة على سطح موج عابر ثم لا تلبث أن تتلاشى. ولذلك سرعان ما جرفت أمواج الزمن الكثير من الألبومات الغنائية « الخفيفة » واختفى بريقها، ونسيتها الأجيال مع مرور الوقت.
لكن، من بوسعه أن يُنكر أن أغاني خفيفة مثل« جانا الهوى»، « على حسبي وداد »، « قلوله الحقيقة »، « توبة »، «الهوى هوايا»..التي شدا بها عبد الحليم منذ عقود طويلة، ما تزال إلى اليوم حية طروبة، متوهجة، تبعث في الأسماع والأرواح نشوة متجددة كلما أعيد الانصات إليها؟.
ثالثا-انضواء المطرب والجمهور تحت لواء الأصالة والتزامهما بقواعدها وطقوسها:
لقد انساق معظم المطربين والمطربات وراء موجة التغريب. وظاهرة التغريب تعني في مجال الفن التخلي عن مجموعة من الطقوس والقواعد الأصيلة التي تقوم عليها الأغنية العربية، والتي تهم الفنان والجمهور كليهما:
أ) فيما يخص المطرب:
إن هناك أعرافا أصيلة تتصل بهيئته ووقفته على خشبة المسرح وتجاوبه مع الجمهور. فلا شك أن للهيئة دورا أساسيا في إنجاح الأغنية وإكساب شخصية المطرب احترام الجمهور. فقد كانت لأم لثوم شخصية قائمة، تتميز بوقفتها الرصينة على المسرح، و بجلوسها على الكرسي قبل الشروع في الغناء، وكذلك بإمساكها بأطراف منديلها الشهير..وكانت لعبد الحليم شخصية متميزة كذلك، أبرز مظاهرها نزوعه إلى الاندماج أو الالتحام بجسد الجمهور، حيث دأب على كسر الحواجز النفسية القائمة بين المطرب الكلاسيكي وجمهوره أو بينه وبين الموسيقيين. فلم يعد عالم المغني، بالنسبة إليه، محصورا في تلك الدائرة الضيقة المحددة خلف الميكروفون ولكن خشبة المسرح برمتها.
لقد صارت هذه الأخيرة حقلا مفتوحا أو « عزبة »، على حد تعبير رفيق عمره « مجدي العمروسي »، يصول فيها ويجول كما يشاء، أو يعزف على هذه الآلة الموسيقية أو تلك، كنقره على..الدف في « فاتت جنبنا » مثلا.
لقد تلقت تلك الطقوس، المرتبطة بشخصية المطرب في تفاعله مع الخشبة الجمهور والموسيقيين، ضربة قاضية على يد أفواج المطربين المنتمين إلى « مدرسة التغريب ». ذلك أن الإقبال على النمط الغنائي القائم على « الفيديو كليب » أدى إلى تلاشي تلك العلاقة الإنسانية الحميمية التي قامت تاريخيا بين المطرب وجمهوره، إذ راحت المشاهد الخارجية تقتحم فضاء الأغنية، فتحولت في النهاية إلى لوحة سمعية- مرئية هجينة أو إلى مزيج من الأصوات والصور يفتقر إلى الحد الأدنى من التآلف والانسجام. وفي أسوأ الأحول يعمد الكثير منهم إلى التغطية على فشلهم في الأداء بالمبالغة في الحركات الاستعراضية والتركيز على عرض المفاتين الجسدية..
ب) فيما يخص الجمهبور:
لقد كان « الجمهور » في الماضي بعدا أساسيا في محيط الأغنية العربية، ومكونا لازما لاكتمال بنيتها. بل يمكن القول إنه كان يشكل نصفها. في حين كانت الكلمات والألحان والأداء والأنغام تشكل نصفها الآخر. ذلك الجمهور الوقور الذي يتجهَّم وجهه، وتنقبض أساريره حين تدخله الأغنية في مقامات عاطفية حزينة، هو نفسه الذي تنفجر تصفيقاته وتكبيراته، ويتعالى صخبُ استحسانه حينما تنقله الأغنية ذاتها إلى عوالم الفرح، وتحلِّق به في أجواء المسرات.
وقد حظي كبار رموز الفن بذلك النوع من الجمهور، وساهموا هم أنفسهم في تشكيله والمحافظة عليه وتنميته من خلال احترامهم له سواء بالاستجابة لتطلعاته أو بحسن التصرف والأداء أمامه.. فجمهور أم كلثوم -مثلا- كان مثالا للذائقة الرفيعة، كما كان لعبد الحليم حافظ ، على وجه الخصوص، ذلك الجمهور النموذجي الذي يضيف هدير إعجابه وصيحات استحسانه إلى المقاطع الموسيقية، الراقصة حينا، والمتموجة حينا آخر،نكهة خاصة فتتكون من كل ذلك ملحمة فنية أسطورية رائعة، كما هو الحال في أغنية « زي الهوى » مثلا.
غير أنه، ومما يبعث على الأسف، أن موجة التغريب قد جرفت معها كل تلك الأشياء الجميلة المرتبطة بعنصر « الجمهور »، فألحقت بدوره البناء أذى بالغا، انعكست تبعاته السلبية على الأغنية العربية برمتها في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الفن الغنائي العربي، كيف ذلك؟:
لقد تسربت الرداءة التي يروج لها منتجو الفن التجاري تحت غطاء التجديد، إلى ذوق الجمهور العربي الكلاسيكي، وبدأت تظهر في أوساطه طبقات غريبة تشبعت أذواقها بروح العبث، ولم يعد ما يدفعها إلى حضور الحفلات الغنائية الجادة سوى الرغبة في إفساد أجواء السماع ونشر الفوضى بين صفوف المتفرجين، بدعوى أن رسالة الأغنية – في أواخر العقد السابع من القرن العشرين- لم تعد تعنيهم في شيء بل أصبحت موجهة إلى جمهور آخر من الماضي.
ولقد استشعر عبد الحليم حافظ، قبيل رحيله، ذلك التحول العميق الذي بدأ يطرأ على علاقة الجمهور بالأغنية العربية، حين صدح ب «قارئة الفنجان»، حيث لاحظ بروز جمهور طارئ غير منضبط وفاقد للياقة إن لم نقل إنه متهور، وتسلم زمام الذائقة زمن جمهور مغاير، أطلق العنان لكل الاحتمالات الملتبسة في مسار الغناء العربي.
لقد اضطره صخب بعض أفراد هذا الجمهور، وكذا صفيرهم العبثي – فيما يرويه مجدي العمروسي في برنامجه « أعز الناس »- إلى أن يرد على الصفير بمثله، ويقابل زعيقهم المشوش بانفعالات غير منضبطة، تنم عن ضيق ونفاد صبر وغضب. وما ذلك إلا رد فعل فطري واحتجاج ضد رداءة سلوك جماهيري لم ير له زمن الأصالة نظيرا من قبل!.
رابعا- تنويع الأداء من خلال الاشتغال داخل مدارس التلحين المتنوعة:
لقد اختفى جيل الملحنين العباقرة المعروف بالكدح الإبداعي، جيل محمد عبد الوهاب، محمد الموجي، بليغ حمدي..الذين صنعوا جيلا من المطربين الكبار. ومن بقي منهم على قيد الحياة بعدهم، مثل « كمال الطويل »، صار غريبا في زمانه أو خلد إلى الصمت والعزلة.
وعبد الحليم حافظ مدين بالشيء الكثير لهؤلاء بلا شك. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لقد خصه محمد عبد الوهاب بروائع من قبيل « فاتت جنبنا »، « نبتدي منين الحكاية ». وخصه محمد الموجي بأعمال فنية راقية مثل « قارئة الفنجان » و«رسالة من تحت الماء»، و«يا مالكا قلبي». كما خصه بليغ حمدي بألحان عاطفية رائعة من قبيل »حاول تفنتكرني »، « زي الهوى »، « موعود » و »مداح القمر »..
ولعل من أهم إيجابيات هذا التنوع على مستوى المدارس اللحنية، انطباع أغاني العندليب بألوان لحنية متنوعة، تبعا لتنوع ثقافات هؤلاء الملحنين، وتعدد أساليبهم في التلحين، وتباين أذواقهم في اختيار الكلمة وما يناسبها من لحن ونغم، الأمر الذي أضفى على روائعه الغنائية طابعا من التنوع الجمالي. وهو تنوع يستجيب للكثير من الأذواق على اختلاف مشارب أصحابها، ويستقطب كل النفوس الظامئة إلى ينابيع الصفاء والجمال في طول الوطن العربي وعرضه. ولهذا نجد في ألبومه الغنائي«الإيقاع الحماسي الراقص» المكتسب من مدرسة « بليغ حمدي »- زي الهوى مثلا- والذي يستدعي الزغاريد أحيانا- حاول تفتكرني، دمعة حزن، كامل الأوصاف- كما نجد الإيقاع العاطفي السهل الممتنع، الممزوج بحنين آسر، مستمد من مدرسة « محمد الموجي ».
خامسا- التكامل بين اللحن الرفيع والصوت العذب الحسن:
لم يكن جيل الملحنين العمالقة ليحقق ما حققه من نجاح باهر في دنيا التلحين لو لم تنعم عليه ربة الفن بأصوات حسنة من السماء. فقد كان صوت العندليب هبة من السماء، وقطرة غيث انفلتت من بين أصابع زمن الفن الشحيح، فظلت تروي حديقة الفن العربي في غفلة منه لمدة ربع قرن. غير أن أنامل ربيع 1977، ذلك الربيع الحاقد، سرعان ما نبهت هذا الزمن من غفلته، فلم يلبث أن سارع إلى استعادة تلك القطرة إلى قبضته، لتجف فيها إلى الأبد.
لقد كان صوت العندليب ظاهرة صوتية متفردة، اتسمت بالمرونة، الأمر الذي أكسبها قابلية التشكل حسب القوالب اللحنية سواء أكانت عاطفية مثل«أهواك- موعود- في يوم في شهر في سنة- حبيبها.. » أم كانت فكرية سياسية مرتبطة بالأغاني الوطنية والقومية مثل« إحنا الشعب- يا أهلا بالمعارك- احلف بسماها- الفجر لاح- لفي البلاد يا صبية- قومي يا مصر..». وسواء كانت دينية مثل« أدعوك يا سامع دعايا- أنا من تراب- ..» أم كانت فلسفية مثل« جئت لا أعلم من أين»..هكذا أمسك عبد الحليم بمجداف الصوت الجميل، وأمسك أولئك الملحنون الكبار بمجداف اللحن الرائع فقادوا جميعهم سفينة الطرب العربي إلى بر الأمان، بما يعنيه من نجاح وسمو وكمال.
والآن بعد رحيلهم جميعا- عمالقة الطرب العربي- ها هي ذي خسائر الفن العربي تتفاقم وتستفحل مع توالي السنين، وتتنامى معها ظاهرة الارتجال في ميدان الإبداع، ويتكاثر في ساحة الطرب « تجار الفن » الذين شغلهم الشاغل المتاجرة بالقيم الفنية السامية، مقابل الحصول على شهرة عابرة أو ثراء زائل.
ومن حق الملحنين والمطربين المخضرمين أن يركنوا إلى الصمت إذا دعت الحاجة إليه، لأنه لا يمكن للفنان الأصيل أن يتبع قطيع التهريج الفني الهائم في طريق لا شرقية ولا غربية. كما لا يمكنه أن يرضى لنفسه مباركة العبث، وبالتالي الاندماج في صفوف أهله وهم يجدفون سفينة الفن وسط صخب الأمواج الصوتية المتلاطمة إلى وجهة مجهولة أو إلى الضياع.
ولهذا حق على الشرق العربي أن يستجيب لنداء الذكرى وأن يفكر في عبد الحليم حافظ. وحق على الطرب العربي أن يبكي اليوم عندليبه بدموع غزار لعل تجار الفن يعتبروا ويتوبوا إلى الفن الحقيقي، فأجل التوبة لم ينقض بعد. ومن يدري؟، لعل حديقة الفن العربي التي أنهكتها سنوات اللا إبداع العِجاف، سترتوي من تلك الدموع وستزهر من جديد في ربيع قادم!.
********************
الهوامش
1 – أنظر محمد الطويل- موسيقار من سنباط- كتابك 150- دار المعارف القاهرة- ص 37.
********************
• د. المصطفى الشادلي
(موقع شعلة التنوير)
